حق الشعوب في تقرير المصير د. غازي فيصل حسين أستاذ العلاقات الدولية والتنمية السياسية

 

Snap 2019.07.03 17h38m59s 002

حق الشعوب في تقرير المصير

 

د. غازي فيصل حسين

أستاذ العلاقات الدولية والتنمية السياسية

 

     إن مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرهم، يُمكن أن يأخذ شكلين، وفق القانون الدولي: الأول، الحق بإقامة دولة، أي تأسيس جماعة إنسانية تُعامل وكأنها تكون شعب بفعل خصائصها الجغرافية، العرقية، الدينية واللغوية وامالها السياسية، مما يبلور إرادة احترام الاستقلال للدولة. الثاني، يحمل معنى: "الاعتراف بحق الجماعة بالمُشاركة السياسية، عبر الانضمام بصورة أو بأخرى لدولة، بتغيير السيادة، أو الحصول على الاستقلال السياسي". لقد اعترف إعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة "بحق الشعوب باختيار حكوماتها". مما يعني، تطبيق هذا المبدأ على ثلاث حالات من أشكال الهيمنة: الاستعمارية؛ العنصرية؛ الأجنبية.

إقرار الدول لمبدأ حق تقرير المصير

     لعبت الأمم المتحدة دوراً هاماً، في تثبيت مبدأ حق الشعوب في تقرير المصير، فالمادة الأولى من الميثاق المُتعلقة بأهداف الأمم المتحدة، اكدت على اهمية: "تنمية العلاقات الودية بين الأوطان، المبنية على احترام مبادئ المساواة في الحقوق بين الشعوب وعلى حقهم في تقرير مصيرهم بأنفسهم، واتخاذ جميع الإجراءات الخاصة لتدعيم السلام العالمي"، بناء عليه أكدت المادة 76 على ضرورة قيام الدول الاستعمارية، بمساعدة الشعوب الخاضعة لها من أجل: "تطوير قدراتها لإدارة نفسها بنفسها، أو تحقيق الاستقلال"، وهذا ما تبلور عملياً في ظهور مبدأ الحق بالتحرر من الاستعمار، الذي تحول وفق وصف ميشيل فيرالي إلى: "إيديولوجية فعالة"، أدت لصدور قرار الأمم المتحدة 1514 في 14 كانون الاول 1960م، الذي اعتبر: "أن الهيمنة واستغلال الشعوب من قبل الأجانب، تُعد خرقاً لمبادئ حقوق الإنسان، وتتناقض مع ميثاق الأمم المتحدة، كما تهدد قضية السلام والتعاون الدولي". بناء عليه، "تتمتع جميع الشعوب بالحق في حرية القرار، واستنادا على هذا الحق، فللشعوب الحق في حرية اختيار طريق التنمية وبناء النظام السياسي، أي حرية انتهاج الطريق لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية.

     لقد جاء الإعلان الخاص بالقانون الدولي، الصادر عن الأمم المتحدة، في 24 تشرين الاول 1970م، ليؤكد على أهمية بناء: "علاقات الصداقة والتعاون بين الدول"، وعلى مبادئ: "المساواة في الحقوق بين الشعوب، وفي حقهم بتقرير مصيرهم بأنفسهم". وأشار الإعلان بأن: "تأسيس دولة ذات سيادة ومستقلة، أو الارتباط أو الاندماج مع دولة مُستقلة، أو التوصل لأي شكل من البني السياسية، يتقرر بصورة حرة من قبل أي شعب، وتعد هذه الحقوق وسائل تستخدمها الشعوب لتقرير المصير، "دونما أي تدخل خارجي"، وهي لا تعني مبادئPrincipes بل حقDroit معترف به للشعوب. وعلى الرغم من اعترافها بحق الشعوب في تقرير المصير ضد النظم الاستعمارية والأجنبية والعنصرية، لم تُشير الأمم المتحدة، إلى حق انفصال الشعوب عن الدول.

تمسُك الشعوب بمبدأ حق تقرير المصير

 

     رأى جان سالمونJean Salmon ، إن حق تقرير المصير في القانون الدولي كان يُشكل الخطوات الأولى، على طريق بناء الأجهزة والمؤسسات التمثيلية للشعب. لقد بذل زعماء العالم الثالث، جهوداً واسعة للاتفاق على المستوى القاري أو القارات الثلاث، حيث عقدت مؤتمرات الشعوب في آسيا وإفريقيا، للمطالبة بحق تقرير المصير واختيار طريقها الخاص.

حق تقرير المصير السياسي                           L’autodétermination politique

 

     تبقى المنظمة الدولية، قبل كل شيء عنصراً حيوياً للحفاظ على المجتمعات والدول، وبعد تصفية الاستعمار في بلدان العالم الثالث، أخذت تهتم بمشاكل الشعوب التي تتعرض للهيمنة التقليدية، كما في قضية شعب فلسطين. حيث جاء القرار 2535 الصادر عن الأمم المتحدة، في 10 كانون الاول1969 ليؤكد على: "الحقوق غير القابلة للتصرف لشعب فلسطين".

كما صدرت، قرارات أخرى، أبرزها القرار 3089، ألذي أكد: أن الجمعية العامة للأمم المتحدة، "وبناء على روح مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، الوارد في المادة الأولى والمادة 55 من الميثاق، تؤكد بوجوب تمتع الشعب الفلسطيني، بحقوق متساوية، والتمتع بحقه بتقرير مصيره بنفسه"، مما أتاح الفرصة لمنظمة التحرير الفلسطينية، للمشاركة في نظام الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى: حركة دول عدم الانحياز؛ منظمة المؤتمر الإسلامي؛ منظمة الوحدة الإفريقية؛ جامعة الدول العربية.

       وأصدرت الأمم المتحدة، قراراً عام 1972م، اعترفت بموجبه بشرعية تمثيل حركات التحرر الوطني للشعوب. حيث أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة على شرعية تمثيل حركات التحرر القومي لآمال الشعوب.

حق تقرير المصير الاقتصادي                    

      

       طرحت العديد من مؤتمرات الأمم المتحدة موضع السيادة الدائمة للشعوب على الثروات الطبيعية. لقد ثبت القرار 523 الصادر في 12 كانون الثاني 1952، اعتراف الأمم المتحدة "للبلدان غير النامية بحق التصرف بثرواتها الطبيعية". كما شكلت هيئة للسيادة الدائمة على الثروات الطبيعية، في 12 كانون الاول 1958م، كلفت بالتقصي عن مفهوم السيادة الدائمة على الثروات، ورفع مقترحات محددة للأمم المتحدة، والتي بموجبها أصدرت الجمعية العامة في 15 كانون الثاني 1962م، قراراً يقضي بوجود "الحق بالسيادة الدائمة للشعوب وللأوطان على مصادر ثرواتهم الطبيعية، واستثمارها لمصلحة التنمية القومية، ولرفاه الشعب في الدولة ذات المصلحة"، وشدد القرار، على عدم جواز منع أي شعب، وفي كل الأحوال والظروف، من حقه بالتصرف طبقاً "لوسائله الخاصة ألتي تمكنه من البقاء".

     ثم صدر في الأول من مايس 1974م، الإعلان الخاص ببناء نظام اقتصادي دولي جديد، الذي أكد على: "حق السيادة الدائمة والكاملة لكل دولة على مصادرها الطبيعية"، ولضمان ذلك، فإن لكل دولة الحق بوضع نظام للسيطرة على الاستثمار الوطني وادواته، كما تتمتع بحق " تأميم أو تحويل ممتلكاتها" في إطار سيادة الدولة. كما بين القرار، أن الدول غير مجبرة على الخضوع لأي شكل من أشكال القسر الاقتصادي والسياسي، الذي يمنع الدول من ممارسة حقوقها السيادية، بصورة كاملة وبحرية غير قابلة للتصرف من قبل أي دولة اخرى.

       وحول الحقوق والواجبات الاقتصادية للدول، صدر القرار 3281 في 12 كانون الاول 1974م، الذي نص على أن: "لكل دولة الحق الكامل وغير القابل للتصرف في اختيار نظامها الاقتصادي". ويتطلب الحق في حرية اختيار النظام الاقتصادي للدول، أن "يتطابق مع إرادة شعبها، بعيداً عن جميع أشكال التدخل أو الضغط أو التهديد خارجي". كما طرح مبدأ حق تقرير المصير، قضايا تتعلق بالثقافة، لتنمية الشخصية القومية لكل شعب.

     لكن الملاحظ، أن النتائج على صعيد تطبيق مبادئ حق تقرير المصير للشعوب، بقيت بعيدة وغير قادرة على تلبية اماني وآمال الشعوب والدول النامية، التي غالباً بقيت محددة بفعل سيطرة القوى الدولية الكبرى.

حدود حق الشعوب في تقرير المصير  

  

       لقد أدت محاولة منظمات الأمم المتحدة، تطبيق مبدأ حق الشعوب في تقرير المصير، إلى التنازع بين المبادئ الخمسة الآتية: حق الشعوب في تقرير المصير؛ عدم اللجوء للقوة؛ تسوية المُشكلات بالطرق السلمية؛ المساواة في السيادة بين الدول؛ مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، مما دفع الدول لبناء حواجز عسكرية وامنية.  

       كما في نصت الفقرة 4 من المادة 2 ، التي تُشير: ان "لأعضاء المنظمة الامتناع، في علاقاتهم الدولية، عن اللجوء إلى التهديد أو استخدام القوة، سواء ضد وحدة الأرض أو الاستقلال السياسي، لأي دولة أخرى، أو بأي شكل لا ينسجم مع مبادئ الأمم المتحدة"، مما يعني عدم السماح لتجزئة أي دولة استنادا لحق الشعوب في تقرير المصير. يمتنع أعضاء الهيئة جميعاً في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد "الأمم المتحدة".

     وفي نفس الإطار، نصت الفقرة 7 من المادة 2، على: أن احكام الميثاق لا تجيز للأمم المتحدة، التدخل في الشؤون الداخلية، التي تُعد من الاختصاص القومي للدولة، أي لا تستطيع الأمم المتحدة إجبار الأعضاء على الخضوع لتسويات تتعلق بالنزاعات الداخلية تؤدي لإجراءات تفكيكية لبنية النظم الوطنية.

       بناء عليه، صدرت العديد من القرارات عن الأمم المتحدة، منها القرار 1514 في 14 كانون الاول 1960، الذي أكد ان "كل محاولة تتوجه لتحطيم الوحدة القومية، أو وحدة الأرض جزئياً أو كلياً لبلد ما، تُعد مُخالفة لأهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة. وعلى جميع الدول مراعاة أحكام ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والإعلان الحالي، المبني على قاعدة من المساواة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، واحترام حقوق السيادة ووحدة الأرض لجميع الشعوب. كما أشار القرار، ان "كل دولة يجب أن تحترم حق الشعوب والأوطان في الاستقلال وتقرير مصيرها بذاتها، والتمتع بهذا الحق بحرية، بعيداً عن أي ضغط خارجي، وبالاحترام ألمطلق لحقوق الإنسان وللحريات الأساسية".

       ثم جاء صدور القرار 2131 في 21 كانون الاول 1965، ليؤكد على نفس المبادئ، حيث شدد على: ان " .... لا شيء يسمح أو يُشجع على فعل أي شيء، لتجزئة أو تهديد وحدة الأرض والوحدة السياسية، كلياً أو جزئياً. فلكل دولة مُستقلة وذات سيادة، ألحق في إتباع طريق خاص، وفقاً لمبادئ المساواة وحق الشعوب في تقرير المصير، وامتلاك حكومة تُمثل مجموع الشعب التابع للأرض دونما تمييز بسبب العرق أو اللون أو الدين".

     لقد صدرت ألعديد من القرارات عن منظمة الوحدة الإفريقية، وجامعة الدول العربية، اكدت على نفس المبادئ الواردة في قرارات الأمم المتحدة، الخاصة باحترام استقلال وسيادة الدول. كما اعلن الرئيس الفرنسي فاليري جيسكار ديستان، في دكار في 20 أبريل 1977م: "ان لكل دولة إفريقية، الحق بالأمن الداخلي ضمن حدودها، مهما يكن خيارها السياسي".  

 

التحدي الحدودي

وبفعل الصراعات على الحدود تنشأ الأزمات والنزاعات. ومنذ استقلال الدول الأفريقية، في الستينات، حُسمت أو جُمدت العديد من الأزمات، لكن المسألة المطروحة اليوم، تتمثل حول إمكانية إيجاد مفهوم جديد للحدود.

     لقد اعتمدت الدول الإفريقية المُستقلة، كما في امريكا الوسطى وامريكا اللاتينية، على نظرية تعتبر: أن الحدود التي رُسمت في الحقبة الاستعمارية، تُعد الحدود الراهنة للدول، وتُمثل وحدة الأرض الوطنية، وإن الاحترام المُتبادل بين الدول، حول مسألة الحدود ووحدة الأرض، يمكن من تحقيق التعايش السلمي، وفي هذا الإطار أقر مؤتمر باندونج في 24 نيسان 1955م مبدأ: "حظر القيام، أو التهديد بالعدوان، أو استخدام القوة ضد وحدة الأرض Intégrité territoriale، أو الاستقلال السياسي لبلد ما".

       وفي مجال تقييد الدولة في احترام الحدود مع الدول الأخرى، أقر ميثاق الأمم المتحدة (م2 فقرة 4) مبدأ وحدة الأرض، عندما أكد: "إن على أعضاء الأمم المنظمة الامتناع، في علاقاتهم الدولية، عن اللجوء للتهديد أو استخدام القوة، سواء ضد وحدة الأرض، أو الاستقلال السياسي لأي دولة، أو استخدام أشكال أخرى، تتعارض مع أهداف الأمم المتحدة".

     ثم جاء الإعلان الخاص باستقلال البلدان والشعوب، الصادر في 14 كانون الاول 1960م والذي اقر: "لجميع الشعوب، الحق غير القابل للتصرف، بالحرية الكاملة، للتمتع بسيادتهم، وبوحدة اراضيهم القومية"، وفي نفس السياق، أقر الإعلان الصادر في 11 كانون الاول 1969م، حول التقدم والتنمية في المجال الاجتماعي، "احترام السيادة ووحدة الأرض" التي اعتبرت شرطاً أساسياً لتحقيق التقدم والتنمية في المجال الاجتماعي. واعتمدت نفس المبادئ في مؤتمر القانون الدولي عام 1970م، إضافة لميثاق الحقوق والواجبات للدول، الصادر عن الأمم المتحدة، في 12 كانون الاول 1974م.

     إن ميثاق منظمة الوحدة الإفريقية، لم يحدد فيه بوضوح مبدأ عدم المساس بالحدود، لذا جاء مؤتمر القاهرة، في 21 تموز 1964م، بقرار يربط احترام وحدة الأرض بالتمسك بالحدود التي كانت نتاج الحقبة الاستعمارية، "معتبراً بأن مشاكل الحدود تُشكل عنصراً خطيراً ودائماً للاختلاف، لذا فإن الحدود بين الدول الإفريقية في يوم استقلالها، تكون واقعاً لا يمكن المساس به"، وإن على جميع الدول الأعضاء، احترام الحدود القائمة بعد الاستقلال مباشرة، لأن هذه الحدود وضعت بناء على قواعد شرعية وعادلة، تستند على الاتفاق المُشترك بين الأطراف المعنية.

       لقد اقرت حركة عدم الانحياز، في مؤتمر بلغراد، في 1 أيلول 1961م، مبدأ احترام وحدة الأرض، كما عارضت جميع محاولات قيام أي دولة بضم دولة أخرى، كما أكد مؤتمر القاهرة لحركة عدم الانحياز، في 5 تشرين الاول 1964م، معارضته لجميع المحاولات التي تستهدف النيل من السيادة ووحدة الأرض، وطالب باحترام الحدود التي كانت قائمة، عند حصول الدول على استقلالها.

 

       هكذا، تمسكت البلدان الإفريقية، بوحدة الأرض، وبعدم المساس بالحدود من طرف واحد، أو باستخدام القوة. كما تستطيع الدول الإفريقية، الاستناد على مبادئ "الإعلان العالمي"، الصادر عن مؤتمر الجزائر في 4 تموز 1976م، لمعالجة النزاعات الحدودية، حيث أقرت المادة 19 حقوق الأقليات وفق الآتي: "عندما يُمثل شعبُ أقلية في إطار دولة، فله الحق في احترام هويته، وتقاليده، ولغته وثقافته". "ويجب أن يتمتع أبناء الأقليات، دونما أي تمييز بنفس حقوق المواطنين الآخرين في الدولة، والمُشاركة معهم في الحياة السياسية، وبالتساوي" (مادة 20). أخيراً يؤكد الإعلان: "إن التمتع بهذه الحقوق، يجب أن يكون في إطار احترام المصالح المشروعة للجماعة، وعلى أن لا تمس وحدة الأرض والوحدة السياسية للدولة" (مادة 21)، وعند تطبيق هذه المبادئ، لن تكون الدولة النامية في العالم الثالث سجناً للشعوب، بل مجالاً للتعايش والتضامن.

مداخلة قدمت في المؤتمر العلمي لجامعة جيهان (أربيل) في نيسان ٢٠١٨م

  • قراءة 112 مرات
الدخول للتعليق