سفير العراق الأسبق في باريس د. غازي فيصل لـ ”اليوم“ : إيران حولت العراق إلى بؤرة «غسيل الأموال» وممر للمخدرات

سفير العراق الأسبق في باريس د. غازي فيصل لـ ”اليوم“ :

إيران حولت العراق إلى بؤرة «غسيل الأموال» وممر للمخدرات

الميليشيات تحمي الفساد السياسي وتهرب 300 ألف برميل يوميا من نفط البصرة

بعد ١٦ عاما على سقوط نظام صدام حسين على يد الاحتلال الأمريكي، تغي ر وجه العراق، وباتت إيران وميليشياتها يسيطرون على البلاد، في وقت يأكل فيه الفساد ثروات بلاد الرافدين التي عادت بفعل ذلك إلى الخلف أكثر من نصف قرن، ووسط هذا الفساد واقتصاد شبه منهار وتراجع صناعة النفط إلى الحضيض، أخذ الفقر والأمية والجهل والطائفية تتسيد المشهد. وشهدت البلاد تغييرات ديموغرافية، بينما تمارس الميليشيات الطائفية السلطة بغياب شبه كامل لأي دور للحكومة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

وسط هذا الواقع شد د السفير العراقي السابق في باريس د. غازي فيصل، على ضرورة توطيد علاقات التعاونالاقتصادي والتكنولوجي والأمني بين العراق والمملكة، في مواجهة الإرهاب بما تملكه الرياض من قدرات حيوية في مختلف المجالات. وأوضح السفير أن الحل الجوهري لمشكلت ي العراق السياسية والاقتصادية، يتمثل في إجراء تحو لات جذرية شاملة في بنية وهيكلية ووظيفة النظام السياسي ضمن إطار دستور مدني لدولة المؤسسات والحقوق والتوزيع العادل للثروة، وتحريره من النفوذ الإيراني العسكري والاقتصادي.. فإلى تفاصيل الحوار.

حوار: مها العبد الهادي

■ هل هناك فصيل يحمل مشروعًا وطنيًا لمواجهة التحديات التي تواجه العراقيين، خاصة أننا لا نرى سوى قوى سياسية تبحث عن مصالحها؟

بعد الاحتلال الأمريكي لـلـعراق، اجتاحت المشهد الـسياسي مجموعة من الأحزاب الـدينية بجانب عدد من الأحزاب المدنية المحدودة، وطبقًا للتعددية السياسية التي أتاحها دستور ٢٠٠٥ ، حيث تأسس أكثر من ٣٧١ حزبًاوحركة سياسية، كما تم الإعلان عن تشكيل ١١٦٧٠ منظمة من منظمات المجتمع المدني.

وبرزت واحدة من الإشكاليات المتمثلة بعدم امتلاك الأحزاب المذهبية نظرية سياسية لـلـدولـة ونظرية اقتصادية تضع الأسس لإستراتيجية بناء دولـة ديمقراطية مدنية تضمن الحقوق والـتوزيع الـعادل لـلـثروة طبقًا لدستور .٢٠٠٥

■ ماذا جرى إذًا؟

أدى التفكك الاجتماعي والسياسي والـفساد المالـي والـسياسي إلـى صعوبة ظهور أحزاب سياسية وطنية لمواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية والانتقال نحو نظام ديمقراطي لدولة المؤسسات.

ومع ذلك تستطيع القوى الوطنية في داخل وخارج العراق - حيث ينتشر اليوم أكثر من ٥ ٣٫ مليون عراقي في ٦٤ بلدًا عقد الـعديد من المؤتمرات الـسياسية والثقافية لكشف حقائق ما يُرتكب من انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان ومبادئ الديمقراطية، ولـلـدفاع عن حق الشعب الـعراقي في اختيار نُظمه الـسياسية والاقتصادية والاجتماعية، ضمن إطار دولـة مدنية، وإبعاد الأحزاب الـدينية المرتبطة بأجندة ولاية الفقيه الإيرانية.

■ ألا تعتقد أنه بات من الضروري تشكيل تيار سياسي يتجاوز الواقع المزري؟

أتفق معكم تمامًا على ضرورة العمل بجدية وفي إطار دستور ٢٠٠٥ ، لتشكيل تيار سياسي وطني يطرح إستراتيجية وطنية للتنمية الـشاملـة، وإعادة بناء البنية التحتية، وتبنّي سياسات للسلام والأمن والاستقرار الإقلـيمي، ونبذ إستراتيجيات الحروب والعنف والتوسّع، الـتي تروّج لـها ولاية الـفقيه في إيران، وبما يتناقض مع ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي. والحروب كلفت العراق منذ عام ٢٠٠٣ أكثر من مليون ضحية بين قتيل ومعاق ودمار الـبنية الـتحتية، وانتشار الفقر والبطالة والتخلف والمخدرات والأمراض.

وتشكّل جميع هذه التحديات الخطيرة دافعًا قويًا للتنسيق والـعمل المشترك لـتأسيس تيار وطني مناهض للعنف والحرب ولـثقافة الـكراهية والـتمييز المذهبي.

وأيضًا أي تيار وطني معارض للعملية السياسية، التي رهنت مستقبل ومصير العراق بولاية الفقيه والعمل على تحريره من الإمبريالية الإقليمية الإيرانية.

■ كيف يمكن الخروج من المأزق العراقي؟

يفترض العمل بجدية لبلورة تيار وطني لوضع حلول جدية لإنقاذ العراق من الهيمنة الإمبريالية الإقلـيمية الإيرانية وشبكات الجريمة المنظمة الممتدة من طهران إلـى بغداد ودمشق وبيروت وإسطنبول وغيرها من الـعواصم، حيث الـعراق الـيوم وفق تقرير الـشفافية الـدولـية البلد الأول بالعالم في مجال تبييض الأموال، وهو أيضًا واحد من بين عشر دول في العالم الأكثر جريمة، حيث ينعدم الأمن بجانب انتشار المخدرات والأمية وتجارة الجنس والأعضاء البشرية.

■ هـل مطلـوب شيطنة السّنة مقابل تسهيل التوسع الفارسي؟

نعم، تعرّض المجتمع الـعراقي بعد ٢٠٠٣ إلـى تمييز مذهبي خطير، أخذ أشكالًا عنصرية علـى صعيد الـوظائف والحقوق، كما شهدت أعمال العنف التي اجتاحت العراق في عام ٢٠٠٦ من تصفيات جسدية وحروب إبادة على أساس التمييز المذهبي وتعرّض الإنسان لـلإبادة على أساس الهوية والاسم.

وتركت المدن والـقرى الـسنية بدون حماية أمنية أو الحق في التسلح الذاتي، إضافة لانسحاب الجيش والـشرطة من المناطق الـغربية عام ٢٠١٤ ؛ مما سهّل اجتياح داعش الإرهابي لـهذه المناطق والإعلان عن تأسيس دولـة الخلافة المزعومة، مما قدّم المبررات الخطيرة لـتدخل الأجهزة الإيرانية بالـشؤون السيادية والأمنية الدفاعية للعراق.

■ هل هناك استغلال سياسي لهذه المسألة؟

تنطلق من بعض الـنواب في البرلمان والـقيادات الحزبية المتطرفة تصريحات وتعميمات غير مسؤولـة تتهم الـناس في المدن الـعراقية ذات الأغلـبية السنية بأنهم حاضنون لـلإرهاب؛ مما يخلق ويؤجّج الصراعات الاجتماعية بدلًا من البحث عن حلول جدية لتصفية العوامل والأس ب اب المولـدة لـظاهرة الإرهاب، خصوصًا المشكلات الاقتصادية وانتشار الـفقر والـتمييز المذهبي والاعتقالات العشوائية والتعذيب خارج إطار سلطة القضاء والإجراءات الدستورية.

لـذا يُفترض بذل الجهود لإعادة بناء الـثقافة الـسياسية وفق المبادئ والقيم الوطنية بما يرسّخ التعايش والتسامح والـشراكة الاقتصادية والسياسية ونبذ الـعنف والإقصاء والـتهميش وترسيخ أسس دولـة المواطنة ولـيس المكوّنات الـطائفية المذهبية المتطرفة المرتبطة بأجندات إقليمية.

وذلـك لأن الـعراق لـن يتحرر بدون تحرير أبنائه من ثقافة الـتخلـف والخرافات والثيوقراطية، التي تنشرها أدوات ولاية الفقيه عبر تكريس التخلف والجهل والأمية، الـتي شملت ٧ ملايين إنسان عراقي.

■ هـل باتت الحكومة العراقية ومؤسساتها غطاء للميليشيات؟

نعم، إن التداخل بين الأحزاب، التي احتكرت السلطة والميليشيات المسلحة واسع جدًا، خصوصًا في مجال توزيع المناصب والمسؤوليات في مجلس النواب ومجلـس الـوزراء، كما توفر الميليشيات المسلحة حماية لطبقة الفساد المالي من السياسيين والـشركات وتهريب النفط، الذي يتجاوز ٣٠٠ ألف برميل يوميًا فقط من البصرة. فالميليشيات المسلحة تمتد من طهران إلـى بغداد ودمشق وبيروت وإسطنبول وأن إيران حوّلت العراق إلى بؤرة لتبييض الأموال، الذي يحتل اليوم الموقع الأول وفق تقرير الشفافية الدولية، إضافة لاستخدام إيران كسوق وكممر للمخدرات باتجاه الشرق الأوسط.

إضافة لـلـسيطرة علـى المنافذ الجمركية والمطارات والاستحواذ على عمولات العقود مع الشركات من خلال المكاتب الاقتصادية التابعة للأحزاب في الوزارات العراقية ومجالس المحافظات.

بمعنى آخر، يوجد تحالـف وثيق وتواطؤ مشترك بين شبكات الـفساد المالـي والإداري عبر توفير حصانات متقابلـة؛ مما حوّل الـقضاء إلـى أداة تحت سطوة شبكات الـفساد المالـي والميليشيات، التي تستحوذ رسميًا على ٢ مليار دولار سنويًا من الميزانية، إضافة للمصادر الأخرى.

■ كيف يمكن تجاوز الـواقع مع إنتاج أجيال من الهامشيين والأميين والفقراء والنازحين؟

العراق من البلدان الغنية بثرواته، الـتي تقدّر ب ١٥ تريلـيون دولار، وعلى الـرغم من الـدور الإيراني الخطير في التحكم بالاقتصاد الـعراقي، وانتشار الفساد المالي بين الأحزاب والمسؤولين برعاية إيرانية، حيث أنفقت الحكومات الـعراقية ٦٠٠ ملـيار دولار بدون إيصالات، كما بيّن النائب عادل نوري رئيس لجنة الـنزاهة في تقرير مفصّل لمجلس الـنواب، وفقدان ٢٠٦ ملـيارات دولار في مشاريع وهمية بلغت ٩٠ ألف مشروع.

وكذلك ما ارتكب من جرائم وحروب بحق الشعب، وتبذير أكثر من تريليون دولار مع ارتفاع البطالة لـ ٣٦ ٪ووجود

٤٠ ٪ تحت مستوى خط الفقر وانتشار المخدرات بين ٦ ٪ من السكان وتكريس النظام الاستبدادي الشمولي المذهبي، الذي عرض ويعرّض الأمن والاستقرار لـلـتهديدات، بجانب انعدام الـعدالـة وتعطيل دور القضاء في مواجهة الفساد المالـي، وانتشار الجريمة والجريمة المنظمة، مما يستوجب تدخّل مجلس الأمن الدولي لإحالة الطبقة السياسية الفاسدة لمحكمة الجرائم الكبرى طبقًا للقانون العراقي، الـذي يعتبر الفساد المالـي جريمة مُخلـة بالـشرف وخيانة للوطن.

■ مضى على تشكيل الحكومة العراقية أكثر من ٦ أشهر، فكيف يمكن أن تعالج حكومة بهذا القدر من العجز مشكلات العراقيين، أم أن ذلك واقع تفرضه الميليشيات وإيران لتكريس غياب الدولة؟

إن الـعجز عن استكمال الحقائب الـوزارية خصوصًا الـدفاع والـداخلـية، يُثير علامات استفهام كبرى حول عجز الأحزاب والتحالف عن تحقيق التوافق لتوزيع الـوزارات السيادية وتلبية حاجات المواطنين وضمان الأمن.

لـكن، كما يبدو، فإن الـصراعات على المصالـح المالـية والـنفوذ تشتد بين الأحزاب والقيادات، وهو ما يعرّض الحياة الـسياسية لـشلـل كبير بجانب الـتدخل الـواسع لـلأجهزة الإيرانية في تكليف الحقائب الـوزارية والمناصب الـسيادية والـتدخل بشؤون الجيش والـشرطة والقوات المسلحة عمومًا، وتحويل العراق إلى ساحة للمواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكية.

■ أين ثروات العراق ومَنْ يسيطر عليها؟

استطاع الـعراق بناء قاعدة للصناعات الثقيلة والخفيفة في مجال الـبتروكيماويات والمشتقات النفطية والكبريت والفوسفات والحديد والصلب وصناعة الشاحنات والتركتورات، إضافة لتطور الصناعات العسكرية. وبعد عام ٢٠٠٣ ، منعت إيران الـوزارات المختصة من إعادة بناء الـقاعدة الصناعية، لكي تحوّل الـعراق إلـى تابع اقتصادي لاستيراد السيارات والأجهزة والعدد وغيرها من الصناعات الاستهلاكية، ويقدّر حجم ما يستورده الـعراق من إيران عام ٢٠١٨ ب ١٢ مليار دولار، واتفق البلدان إلى رفعها لـ ٢٠ مليار دولار عام ٢٠١٩ ، مما قد يشكّل مخالفة صريحة للعقوبات الأمريكية المفروضة على إيران.

كان العراق عام ٢٠٠٣ مكتفيًا غذائيًا، لـكنه الـيوم، وبسبب الإهمال الـكامل لـلاقتصاد الـزراعي وأنظمة الـري، فإن

العراق يستورد أكثر من ٩٢ ٪ من حاجاته الـغذائية من إيران؛ مما يرفع من معدلات البطالة والفقر بين الفلاحين، ويعرّض الأمن الغذائي لمخاطر التبعية للاقتصاد الإيراني والحاجة لاستيراد الكهرباء والغاز من إيران، في وقت تبلغ فيه كلفة الغاز المحروق في البصرة ٥ ٢٫ مليار دولار. إضافة لما تقدّم، وطبقًا لـتقارير تسرق إيران النفط من حقول مجنون في الجنوب بما قيمته ١٧ ملـيار دولار سنويًا، وتعود لتصديره كمشتقات نفطية بالأسعار السائدة في السوق.

إذًا لابد من تحرير الاقتصاد العراقي من الهيمنة الإمبريالية لإيران، ضمن إطار إستراتيجية ولاية الفقيه التوسعية عبر إشعال الحروب الإقليمية.

■ ما هو واقع التعليم في العراق مع تمجيد الفكر الميليشياوي والظلامي؟

يفتقد الـتعلـيم في الـعراق لأبسط المقومات لبناء قاعدة رصينة في مجال التربية والتعليم، حيث سحبت منظمة اليونسكو اعترافها بالشهادات الجامعية العراقية لـعدم تطابقها مع المواصفات والمعايير الـدولـية، كما تدنت مستويات وكفاءة التعليم بالمدارس العراقية التي شهدت تغييرًا في المناهج، بما ينسجم مع سياسات التمييز الطائفي وترسيخ مفاهيم الكراهية وثقافة العنف في كتب التاريخ، في وقت تحتاج فيه مجتمعاتنا لنشر ثقافة التسامح والحرية الدينية والانفتاح نحو مستقبل مشترك.

وأيضًا تحتاج وزارة التربية لبناء أكثر من ١١ ألف مدرسة لسد الحاجة الملحّة لـلـزيادة الـسكانية، كما ارتفعت الأمية لتطال ٧ ملايين إنسان.

■ ألا تعتقد أنه يتوجب على العرب لعب دور أكثر فعالية ليعود العراق إلى مكانه.. وكيف تنظرون إلى دور المملكة العربية السعودية؟

أعتقد أن الحكمة والعقلانية تفرض اتباع سياسة خارجية عراقية متوازنة مع دول الجوار، ورفض سياسة التبعية والانحياز لـطهران بدوافع سياسية ومذهبية.

لـذا يبدو من المهم توطيد علاقات الـتعاون الاقتصادية والـتكنولـوجية والأمنية في مواجهة الإرهاب بين العراق والمملكة، بما تملكه الـرياض من قدرات حيوية في مختلـف المجالات، إضافة لتوثيق الـعلاقة مع الـكويت والبحرين ودولـة الإمارات العربية وسلطنة عُمان، وأيضًا تشكّل جمهورية مصر العربية دولـة عربية مهمة لـلـتعاون والـشراكة الاقتصادية مع العراق؛ مما يوفر فرصة حقيقية لبناء فضاء للأمن والسلام في الشرق الأوسط والخليج العربي.

د. غازي فيصل

  • قراءة 141 مرات
الدخول للتعليق