الإصلاح يبدأ أولا من إنقاذ العراق من كارثة الاحتلال

الإصلاح يبدأ أولا من إنقاذ العراق من كارثة الاحتلال

حامد الكيلاني

الولايات المتحدة الأميركية منذ إدارة الرئيس جورج دبليو بوش الابن وقرارها باحتلال العراق مرورا بفترة الرئيس باراك أوباما إلى إدارة الرئيس دونالد ترامب، كانت تدعم الحكومات المتعاقبة ومازالت تعلن أنها مع وحدة العراق والعملية السياسية الديمقراطية على علاتها وانتماءات أحزابها، ولم تلتفت عمليا إلى مخاطر التغلغل الإيراني ومجابهته أو إيقاف الانزلاق إلى الحرب الأهلية الطائفية، رغم أنها على يقين أن مصادر تلك الحرب أو ذلك المأزق بعائدية سياسية ومفاتيح حل خاضعة لها.

لماذا انسحبت أميركا من العراق؟ وهل أميركا انسحبت فعلا من العراق؟ الرئيس ترامب في حملته الانتخابية قال إن احتلال العراق كان خطأ والانسحاب منه خطأ أكبر. هل كان الانسحاب وثيق الصلة فقط بتحقيق الهدف الأساس في تغيير النظام العراقي، أم أن القيادة الأميركية تعرضت إلى ضغوط داخلية لإعادة قواتها تخفيضا للنفقات ولتلافي الخسائر الإضافية بين مقاتليها التي تكبدتها بعمليات المقاومة؟

روح الاحتلال الأميركي لم تنسحب من العراق، وسياسة حرق المراحل تولتها إدارة بوش وإدارة أوباما بإنشاء مقاطعة متخصصة وبإمكانات فنية إستخباراتية ودبلوماسية تجسدت في بناء أكبر سفارة أميركية في العالم على الإطلاق.

ظاهريا وبعد سنوات الاحتلال الأولى لعبت أميركا دور شبكة العنكبوت بين الفرقاء كوسيط أو جهة اتصال، وأحيانا للاطلاع والملاحظة والتشاور؛ وهذا لا يتناسب أبدا مع حجم كارثة احتلال العراق ولا ينسجم أبدا ومحتوى سفارتها أو بالأحرى قاعدتها في بغداد.

أميركا تعود إلى العراق وبحوزتها عمليتها السياسية القديمة وتجارب الحكومات الفاشلة وبقواعد عسكرية ونهاية حقبة حرب هجينة من الإرهاب وعلى الإرهاب، وبيدها أوراق من ملفات المنطقة بما يسمح لنا بالقول إن بغداد عاصمة أميركا في الشرق الأوسط وبرؤية واضحة وإستراتيجية بخرائط دقيقة لمساقط التحركات المقبلة على الأرض وفي السياسة، والأهم الاقتصاد في عودة كما البراءة الأولى في عيون أهل بغداد ورؤيتهم لأهداف المشروع الأميركي التي تطلعت إلى خراب وحرائق البنايات والوزارات والمؤسسات باستثناء وزارتي الدفاع والنفط.

قوات التحالف وفي مقدمتها القوات الأميركية لم تخسر في حرب القضاء على داعش سوى ما يعادل أصابع اليد الواحدة من جنودها وفي أحداث معظمها غير قتالية؛ بما يدعونا إلى التساؤل عن مغزى العودة الأميركية إلى العراق أو بداية قطف ثمار الاحتلال في سلة عملية سياسية ارتكبت أفدح الأخطاء وبإصرار وتعمد على عدم الإصلاح لأنها برنامج سياسي كما هي العادة بتجارب الحكم في بلدان العالم بالدرجة الثالثة.

رحلة الإصلاح هي إصلاح أخطاء الاحتلال الأميركي لتعويض الإنفاق الهائل على حرب احتلال العراق وبشعارات أميركا أولا وكذلك العراق أولا بعد استهلاك المشروع الإيراني المتخلف وأدواته الحاكمة التي تحاول تحت مسميات جديدة أن تهرب من استحقاقات المساءلة عن جرائمها في العراق.

المجتمع الدولي وحصرا الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا عليهما الإقرار بأقل تقدير بخطأ احتلال العراق، والخطأ هنا وصف مخفف لجريمة كبرى، يراد منه الاعتراف كما في تقرير تشيلكوت لإدانة المشاركة البريطانية في غزو العراق والتي تأسف عليها رئيس الوزراء البريطاني توني بلير؛ أي أن أميركا وبريطانيا عليهما المساهمة الجادة بإنقاذ العراق من الحفرة الإيرانية التي دفع إليها بالاحتلال الأميركي البريطاني في أبريل عام 2003.

زيارة رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي للعراق وفي هذا التوقيت بعد مرحلة داعش وحديثها عن دعم الأمن ومشاريع البنى التحتية والخدمات والتدريب، تتزامن مع رؤية جديدة للعراق والمنطقة وبتواصل داخلي مشترك مع أميركا تعطي انطباعا بمعالجات ومواقف مستدامة، رغم أن حضور تيريزا ماي ينظر له في إطار رسم العلاقات البريطانية مع دول العالم بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي.

ما يلفت الانتباه أثناء مراسم الاستقبال هو تقاليد الحرس في الأزياء وهي إشارة إلى علاقة بريطانيا القديمة واحتلالها الاستعماري للعراق، وهي تقاليد ظلت سارية المفعول تحت كل العهود، وذلك من طبيعة التعود على ممارسات أو شعائر أو طقوس دون تفحص في مصادرها الوطنية ربما إعجابا بها أو كسياق متعارف عليه دوليا دون ضرورة التبني، ومن تعايش مع الجيش العراقي لاحظ تأثير النمط العسكري البريطاني في الملبس أو طرق التدريب والأرزاق وغيرها. حصلت بعض التغييرات في فترة الثمانينات، لكن التقاليد العسكرية حافظت على جذرها البريطاني حتى احتلال العراق من قبل أزياء وسلوكيات المارينز الأميركي.

المغزى أن تيريزا ماي كانت سعيدة بكل تأكيد بالمظاهر البريطانية، لكن ما لم نتوقعه هو عزف الفرقة العسكرية بعد المراسم الرسمية موسيقى نشيد الوطن الأكبر للموسيقار محمد عبدالوهاب الذي يمجد الوطن العربي وانتصاراته على الأعداء، وحقيقة ليست لدي معلومة مؤكدة إن كان اختيار هذه الموسيقى مقصودا في إشارة ورسالة ما، أو أنه مجرد تذوق جمالي، وإن كنا نميل إلى أنه تلميح دون إفصاح بعراق قريب من أمته ووطنه الأكبر.

لماذا الخشية من عراق عربي؟ متى كان العراق بعيدا عن عروبته وقضايا أمته؟ وهذا يجرنا إلى سنوات طويلة من المراوغة في تعديل فقرات الدستور، هل تعديل الدستور يحتاج إلى فتوى من مرجعية مذهبية أو موافقة من المرشد الإيراني أو تحشيد شعبي أو حرب، كما يرددون، أصعب من الحرب على داعش للقضاء على الفساد الذي استهلك شعب وخزائن العراق.

على طاولة البرلمان مشروع قانون “من أين لك هذا” في خطوة مهمة للكشف عن الذمم المالية، وهو ليس جديدا، بل إن الفاسدين تمرسوا على الإفلات منها لأنها شبكة أحزاب حاكمة ونظام ميليشياوي ومنافذ حدودية ومصارف وحصص وزارات ومشاريع إعمار وهمية أو ناقصة.

السؤال يتوجه ابتداء إلى القوات الأميركية المحتلة وإلى الإدارة المدنية للكشف عن قوائم المشاريع وأسماء المتلاعبين بها وكميات الأموال وأين صرفت وكيف؟ فالعديد من منتسبي الجيش الأميركي والمتعاقدين معه من الأميركان متهمون بالفساد من خلال إثراء مواطنين عراقيين بعقود مسرفة في قيمتها وهي يوميات متداولة في العراق. الغاية تتبع منابع الفساد كما منابع الإرهاب، وتكفي الأصوات القادمة من الرفوف العالية المركونة خارج المحاسبة والعقاب والتي بدأت تتبرع بنضالها وكفاحها المسلح على الفساد ضمن حملاتها الانتخابية.

يجري الحديث عن حيدر العبادي رئيس وزراء العراق على أنه ممثل الإرادة الأميركية، ونوري المالكي رئيس وزراء العراق لدورتين انتخابيتين كممثل للإرادة الإيرانية، بمعنى أن صراعا سياسيا بين أطراف الحزب الحاكم قد يتحول إلى صراع بين أجهزة الدولة الأمنية والميليشيات التابعة لإيران بقيادة عرابها السياسي نوري المالكي.

لكن بوصلة الحقائق تشير إلى أنهما من حزب واحد، وحتى إن تخلى العبادي عن حزب الدعوة كعنوان، فهو سيظل كوزير الخارجية إبراهيم الجعفري جزءا من المشروع الإيراني وبثقافة حزب الدعوة الطائفية. الفرق بين المالكي والعبادي أن أحدهما في موقع المسؤولية والمنصب الحكومي والآخر خارجه.

المحصلة في المناورة هي توصيل قادة الميليشيات إلى البرلمان في دورته المقبلة رغم أن العبادي في مؤتمراته الصحافية الأسبوعية يقارع الميليشيات بيده اليمنى، ويمررها خلف ظهره بالحسنى بينه وبين المالكي، أو بين أميركا وإيران.

  • قراءة 10 مرات
الدخول للتعليق