كذبة 'إيران التي انقذت بغداد ودمشق'

كذبة 'إيران التي انقذت بغداد ودمشق'

فاروق يوسف

"لولا إيران لسقطت بغداد" هذا ما صرح به جنرالات إيران وسياسيوها غير مرة. عبارة سمعها العراقيون ولم تخدش كرامتهم.

العبارة نفسها رددها الإيرانيون في ما يتعلق بدورهم في حماية دمشق من السقوط. وهو أمر يضع جاهزية الجيش السوري لحماية عاصمة بلاده بين قوسين.

من غير الدخول في تفاصيل ما جرى وهي معروفة فإن الموافقة السلبية على الادعاء الإيراني تنطوي على التسليم بما تردده إيران من أنها صارت القوة الضاربة الوحيدة في مجالين حيويين تتحرك فيهما أقوى قوتين في العالم هما روسيا والولايات المتحدة.

حمت إيران بغداد تحت نظر الجيش الاميركي وحمت دمشق في ظل حضور عسكري روسي. معادلة لا يقبلها العقل إلا إذا افترضنا أن روح المؤامرة قد بلغت الذروة فاتفقت روسيا والولايات المتحدة على أن يسلما بلدين حيويين هما سوريا والعراق إلى إيران، صديقة روسيا بشروط وعدوة الولايات المتحدة من غير أية شروط.

حقيقة أن إيران قاتلت في سوريا والعراق لا يمكن القبول بها من غير أن تلك المشاركة تمت بعراقيين في العراق وعراقيين ولبنانيين في سوريا. لم تكن إيران إلا طرفا منظما لميليشيات تدين لها بالولاء لأسباب طائفية ولكن لا عراقيو إيران حموا بغداد ولا لبنانيوها حموا دمشق.

لقد ركز الإيرانيون جهدهم على أن يكون ممثلوهم في البلدين رأس حربة لمشروعهم في الهيمنة على المنطقة. كان قتال تلك الميليشيات بمثابة إعلان عن الوجود الإيراني إلى جوار وجود القوتين العظيمتين.

لم تكن إيران معنية من خلال الزج بميليشياتها العراقية والإيرانية في القتال في سوريا والعراق إلا بما تعود به تلك المشاركة عليها من نفع. اما بالنسبة للعاصمتين فقد كان سقوطهما خطا أحمر في سياق توافقات دولية لم تكن إيران طرفا فيها. وهو ما يجهله العراقيون والسوريون من ضحايا الكذبة الإيرانية.

من غير المعقول أن تقبل الولايات المتحدة بسقوط بغداد وهي التي اسقطتها عام 2003. كذلك الأمر بالنسبة لروسيا وموقفها من سقوط دمشق فهي موجدة على الأرض للدفاع عن النظام الحاكم في عاصمة الامويين. وإذا ما كانت الدولتان قد صمتتا في مواجهة التصريحات الإيرانية فلأنهما تدركان أهميتها على مستوى تلغيم الحقيقة بالكثير من سوء الفهم.

كان المطلوب إنهاك إيران في حروب لن تعود عليها بالفائدة. حروب تبدو كما لو أنها تستجيب لرغبتها في تصدير الثورة غير أنها بالنتيجة ستستهلكها في سباق عبثي ليس له معنى.

لن تتخلى الولايات المتحدة عن العراق كما لن تتخلى روسيا عن سوريا ولن يقبل الطرفان شريكا لهما في البلدين المنكوبين.

قد يبدو مستغربا إذا ما قلت إن صداقة روسيا لإيران هي الوجه الآخر لعداء الولايات المتحدة للدولة المنبوذة التي هي إيران.

تدرك الدولتان بما يكفي أن أطماع إيران في المنطقة لا يمكن الحد منها إلا من خلال استنزاف قوتها في ما يمكن أن يُزيد من كراهية أبناء البلدين لها وبما يضعها في مكانها الحقيقي راعية ميليشيات خارجة على القانون.

لقد تم الإيحاء لإيران أنها تمشي على الطريق التي ستصل بها إلى هدفها عن طريق المساهمة في تدمير بلدين، شاء قدرهما السياسي أن يكونا مصدر صدام محتمل مع إسرائيل ولو نظريا.

في سياق ذلك الإيحاء قامت إيران بترويج كذبتها التي تهدف في الأساس إلى ترويع نظامي الحكم في بغداد ودمشق ووضعهما قسرا تحت ما يشبه الوصاية الإيرانية بحيث يكون سفيرا إيران في بغداد ودمشق حاكمي ظل كما هو حال سفير الولايات المتحدة في بغداد وسفير روسيا في دمشق. وهو حدث لن يضر في شيء الدولتين الكبيرتين ما دامت مصالحهما في البلدين مضمونة.

الكذبة الإيرانية التي صدقها بعض العراقيين والسوريين هي مناسبة لتعويم نظامي الحكم في البلدين وفي الوقت نفسه فإنها لا تؤثر في شيء على حقيقة الهيمنة الأميركية والروسية على الأوضاع ولن يدفع ثمنها إلا الشعب الذي صار البعض منه ينظر بإجلال إلى منقذيه الوهميين.

  • قراءة 18 مرات
الدخول للتعليق