الدولة واللادولة في العراق

الدولة واللادولة في العراق

أسعد البصري

أعتقد أن الفكرة الجوهرية الآن ليست مستقبل العراق فقط، بل مستقبل الشراكة السياسية بين العراقيين.

إذا كان العراقيون حقا، تحت سقف الدستور والدولة والقانون، قد استطاعوا الدفاع عن بلادهم معا وبمساعدة مباشرة من الولايات المتحدة ضد أكبر هجمة إرهابية في التاريخ الحديث، وإذا كان العراقيون حقا قد استطاعوا وبشكل ما إعادة إنتاج خطاب وطني مقبول، فلا يمكن أن تكون البداية الصحيحة إلا بالتساؤل الصادق عن مستقبل الشراكة السياسية.

لا نقصد الشراكة بين المكونات فقط، بل داخل كل مكون أيضا. فكما لا توجد فائدة من الشقاق داخل المكون السني، كذلك لا توجد فائدة من الشقاق داخل المكونات الأخرى. فلا فائدة للوطن من تناحر كردي داخلي، أو اقتتال شيعي داخلي.

إن الشراكة كلمة سحرية. فهي سر نجاح العائلة وسعادتها، وهي ضوء المساء في البيت وكركرات الأطفال، وهي أيضا تعاسة البيوت وخرابها. علينا أن نفكر من جديد كيف نتحرر من العادات السيئة. أقصد طريقتنا القديمة بالتفكير المتطرف، كيف ننتج طاقة تدعم الشراكة السياسية الصحيحة؟

ومهما يكن من أمر فإن السنة شريك أساسي في الوطن وكذلك الشيعة والأكراد. فاحترام الشراكة والرغبة في نجاح الدولة هما الشيء الذي يجب أن يكون مركز اهتمامنا.

إن فكرة “اللادولة” قضية مدمرة، ولأن الهدم أسهل من البناء، ولأن الفكر أيضا يمكن أن يكون هداما، فالهدم في النهاية فكرة، أليس كذلك؟ لهذا لا يمكن لنا اليوم إنتاج الهدم داخليا وتوقع البناء جاهزا يأتي من الخارج.

نريد عودة الدولة وقداسة الوطن والشعب، ونريد للجيش العراقي أن يحمي الحدود ويرتاح من محاربة المدن والقرى والهدامين المحليين.

لنفترض أن هناك بعض الأكراد يريدون الخلاص من الوطن والعلم العراقي والهوية العراقية، السؤال هل المطلوب إقناعهم بجمال الوطن أم المطلوب ذبحهم؟

ولنفترض أن هناك سنة كانوا يريدون تركيا والإخوان المسلمين، هل المطلوب إقناعهم بفشل الحزب الديني أم المطلوب ذبحهم؟ ولنفترض أن هناك شيعة يريدون ولاية الفقيه ودولة خمينية فهل المطلوب إقناعهم بالعروبة والوطنية أم المطلوب ذبحهم؟

ولنفترض أن هناك عراقيين يحبون حزب البعث وصدام حسين، هل المطلوب إقناعهم بفشل الماضي أم المطلوب ذبحهم؟

إذا كنت ترى أن الحل بالطرد والذبح دائما فإنك تريد طرد وذبح جميع العراقيين. نحتاج حوارا من نوع جديد وعيونا غير العيون التي رأينا فيها العراق ميتا، نريد الحياة للعراق وللعراقيين جميعا.

الدولة العراقية تستطيع إلغـاء الميليشيات والاحتفاظ بالمحاربين العراقيين في المؤسسة العسكرية. كذلك التجار والسياسيون الذين انخدعوا بالإخوان المسلمين أليسوا كفاءات عراقية مهمة؟ أليس الأفضل استثمارهم في إطار مدني جديد بعيد عن المشروع الديني؟

لماذا نقول إن الميليشياوي يبقى ولاؤه لإيران حتى لو صار في القوات المسلحة الوطنية؟ ولماذا نقول إن الإخواني يبقى إخوانيا حتى لو انتمى لمشروع الدولة المدنية؟

لماذا نقول إن البعثي يبقى بعثيا والانفصالي يبقى انفصاليا؟

هل تريدون الاستمرار بتخريب بلادكم حقا؟ العراق ليس جمهورية من جمهوريات الموز فبلاد النهرين مليئة بالخيرات، فلماذا لا نتعاون على الخير؟

سياسي عراقي يقول إنه لا يستطيع التنافس مع قادة أنانيين ولئام في سبيل الانتخابات. ربما يخاطبون غرائز التطرف والثأر لكسب الأصوات على حساب السلم الأهلي.

لا بد من خطاب عقلاني يقوده المثقفون بعد كل الذي حدث. نحتاج أن نفكر بمصالحنا كعراقيين. هل نريد بيوتنا عامرة ومدارسنا مزدحمة ومدننا مضاءة بالقناديل أم لا؟

الميليشيات مجبرة على الرضوخ للدولة فإذا رفضت فلا حل سوى حروب مع أميركا والسعودية وتخريب العراق.

هناك فرصة بحل الميليشيات وحصر السلاح بيد الدولة، خصوصا وأن الولايات المتحدة الأميركية جادة في هذا الموضوع والكونغرس الأميركي أعلن “حركة النجباء” العراقية إرهابية ويطلب حظرها خلال 90 يوما.

من جهة أخرى شاب عراقي يقول: لا يمكن حل الميليشيات سلميا لأن إيران ربطتها بالموازنة المالية العراقية وصارت كيانات موازية للدولة؛ تملك شركات واستثمارات ويجري منحها الأراضي وتمليكها ومصالح تشبه مصالح الحرس الثوري في إيران. بل نرى الجنود العراقيين يتركون الخدمة في الجيش ويلتحقون بالميليشيات لما فيها من امتيازات وسلطة أقوى من سلطة الدولة نفسها.

إن الدولة العراقية اليوم في حالة تحدّ مصيري مع “أعداء الدولة” من ميليشيات وإرهابيين، وعلى جميع القوى الأساسية التي هزمت الإرهاب من قبل، أن تعمل على هزيمة الأفكار المخربة للدولة، وأولاها الميليشيات المسلحة والمشاريع الدينية.

  • قراءة 127 مرات
الدخول للتعليق