العراق الذي يكذب على نفسه

العراق الذي يكذب على نفسه

فاروق يوسف

"هناك حكومة في بغداد". هذا وصف واقعي ولكنه ليس حقيقيا. يمكن أن تكون تلك الحكومة أشبه بالأمر الواقع، ذلك لأنها لا تملك ما يؤهلها لتصريف شؤون المواطنين في مختلف أنحاء العراق بطريقة ملزمة، ناهيك عن أن بغداد نفسها غالبا ما تفلت عن سيطرتها.

الرجل الذي يقود تلك الحكومة والذي هو عضو في حزب الدعوة لا يجد مصلحة شخصية له في أن يمد يده إلى الملفات الحساسة، وهي ملفات تتعلق بالفساد الذي التهم الجزء الأكبر من ثروة البلاد ودفع بها إلى أن تقـع تحت طـائلـة الديون في وقت يقف فيه العراق في مقدمة الدول المصدرة للنفط.

حيدر العبادي الذي هو رئيس تلك الحكومة يعرف أن عائدات النفط توظف في إدامة زخم ماكنة الفساد التي تُدار من قبل مافيات حزبه والأحزاب المتآلفة معه في التحالف الوطني العراقي.

هناك حصص مقتطعة من الثروة الوطنية هي من حصة تلك الأحزاب لا يمكن التراجع عنها.

تلك الحصص التي أقرت منذ أكثر من عشر سنوات لا يمكن المساس بها، ذلك لأنها صارت عنوانا لمنع الاقتتال الشيعي ــ الشيعي.

وبما أن الجزء الأكبر من الثروة الوطنية صار يذهب حصصا توزع بين تلك الأحزاب فإن الدولة ستكتفي بالفتات لإدارة أعمالها. وهو ما يجعلها فاقدة الأهلية بالنسبة للكثير من المؤسسات، التي يفترض أنها تابعة لها، لا فرق في ذلك بين مؤسسات المركز ومؤسسات المحافظات.

في حقيقة ما تفعله فإن الدولة العراقية تمول جهات تعمل على تقويضها والحد من سلطتها في حين لا تملك القدرة على ضبط مؤسساتها.

تناقض وجد حيدر العبادي في الحرب على الإرهاب فرصة للهروب منه. فهو بطل انتصارات لا يمكن أن تنعكس إيجابيا على مستوى عيش المواطن العراقي المحاط بحلقات متينة من الفقر والجهل والمرض والفوضى والتهديد المستمر بالخطف أو القتل. وهي حلقات تسعى الأحزاب الدينية إلى تطبيعها من خلال خطاب تغلب عليه الخرافة.

ما يشهده العراق من تسييس للدين يمثل المستوى الأكثر انحطاطا لذلك المسعى الذي يغدر بالدين ويميّعُ السياسة.

فلا شيء من الدين في تلك المحاولة ولا شيء من السياسة أيضا. هناك لصوص استولوا على دولة ثرية وصاروا يتقاسمون ثرواتها. هذه هي الحقيقة بالكلام الواضح والمقتضب والصريح.

أما إدارة وتصريف شؤون مواطني تلك الدولة فقد صارت تتم عن طريق الاستدانة التي سيدفع المواطنون أنفسهم ثمنها في القريب العاجل.

منذ العام 2003 اقترض العراق 120 مليار دولار. الحكومة العراقية لا تملك حلا لتلك المشكلة.

يُلام الأكراد أحيانا على استقلالهم في إدارة شؤون إقليمهم، شمال العراق. ولكن هل تملك الحكومة الاتحادية سلطة فرض قراراتها في المناطق الأخرى؟

ما هو مسكوت عنه من عمليات الفساد، التي صارت العمود الفقري لعمل الأحزاب والميليشيات التي تدير وتصرف الأمور في محافظات العراق الجنوبية ذات الأغلبية الشيعية، هو أقوى من قدرة الحكومة الاتحادية على مجابهته، لذلك تنأى تلك الحكومة بنفسها عن الكثير من الصراعات بين الأحزاب والقبائل والجماعات المسلحة.

وليس غريبا والحالة هذه أن لا يجد المواطن العادي من ينصفه أو يعيد إليه حقوقه إن استلبت أو تم تحريفها.

فالدولة، بصيغتها الحالية، هي كيان غير محايد وليس من اختصاصه الحفاظ على حقوق الأفراد والجماعات في ظل اختراق مكشوف من قبل مافيات الفساد المحمية بالسلاح لكل مفاصل الدولة. وهو ما يجبر المواطنين على الخضوع لإملاءات جهات وأطراف انحنى لها القانون منذ سنوات، حين أعيد العراق إلى زمن ما قبل الدولة الحديثة.

يكذب العراقيون على أنفسهم اضطرارا حين يطالبون الحكومة باستعادة سلطة القانون، كما لو أنها قادرة على القيام بذلك ولم تفعل.

في حقيقتها فإن حكومة بغداد القائمة عل نظام المحاصصة هي ليست سوى واجهة لذلك النظام الذي قُدر له بحكم القانون الذي كُتب من أجله أن يفرط بثروات البلاد من خلال توزيعها حصصا على مكوناته الحزبية.

  • قراءة 20 مرات
الدخول للتعليق