سنوات سود إضافية تنتظر السنة العرب في العراق

سنوات سود إضافية تنتظر السنة العرب في العراق

هارون محمد

لو كانت محافظة دير الزور السورية تجاور محافظات النجف أو كربلاء أو الناصرية أو أي منطقة شيعية أخرى في العراق، هل كان حزب الله اللبناني والنظام العلوي في دمشق يوافقان على نقل مئات المسلحين الدواعش إليها؟

ولو كانت مدينة البوكمال السورية تحادد بلدة طويريج العراقية، هل كان رئيس حزب الدعوة نوري المالكي، يسعد باقتراب مسلحي تنظيم داعش من مسقط رأسه، وتهديد أهله وأصهاره وأقاربه الذين تكاثروا في السنوات العشر الأخيرة، صدقا أم ادعاء، ويدافع عن حسن نصرالله وبشار الأسد، ويصف قرارهما بنقل الانغماسيين والانتحاريين من لبنان وسوريا إلى تخوم العراق الغربية، بأنه قرار صائب وجريء؟

الجواب على التساؤلين أعلاه، لا يحتاج إلى عناء في التفكير، لأنه معروف وواضح تماما. فالملا نصرالله وحليفه الرئيس السوري بشار، ومعهما المالكي، أدوات في المشروع الإيراني الذي شجع تنظيم داعش على استهداف السنة العـرب في العراق، يفتك بشبابهم ويقتل رجالهم ويسبي نساءهم ويخرب مدنهم ومناطقهم، ويحولها إلى قلب القوس الهلالي الإيراني، الذي بدأ يتحقق ويكتمل قريبا، بصفقة أو صفقتين، تشبه ما جرى في القلمون الغربي، ويصبح بدرا.

وعندما قلنا وأكدنا مرارا في أكثر من مقال ومناسبة، أن التخادم السياسي يجمع تنظيم داعش مع إيران والأحزاب الشيعية وخصوصا حزب الدعوة، فإننا نستند إلى الوقائع على الأرض التي أثبتت ذلك، ففي ديالى على سبيل المثال، انسحب الدواعش من ناحيتي السعدية وجلولاء وضواحي المقدادية في العام 2015 من دون قتال لعدم وجود قوات عسكرية وأمنية وميليشياوية أصلا فيها، وتردد حينها أن مسؤولا إيرانيا اتصل لاسلكيا بوالي حمرين الداعشي ويدعى أبوحمزة، وطلب منه مغادرة المنطقة، ونفذ الوالي الداعشي الأمر وانطلق مع جماعته بعجلاتهم على طريق دلي عباس-العظيم إلى جنوب محافظة صلاح الدين، مرورا بعشرات نقاط التفتيش، وكانت نتيجة هذا الانسحاب المفاجئ أن الميليشيات الشيعية احتلت المقدادية والسعدية، وقتلت المئات من أهلها السنة والتركمان، وفجرت عشرات المسـاجد فيها، وأجبرت مئة وخمسين ألـف إنسان من سكان المدينتين على النزوح، في حين عادت وحدات البيشمركة التابعة لحزب الاتحاد الوطني الكردي، إلى جلولاء، وبدأت حملة طرد الآلاف من سكانها وأغلبهم من عشيرتيْ الكروية والجبور.

وفي محافظة صلاح الدين، انسحب الدواعش من جنوب المحافظة والدور وسليمان بيك وتكريت بعد قتال رمزي مع القوات الحكومية وميليشيات الحشد الشعبي، حتى أن أحد قادة الفصائل ويبدو أنه ساذج سياسيا، قال في تصريح عقب انتهاء معركة تطهير تكريت، إنه في دهشة لأن معركة تحرير المدينة انتهت، ولم يقبضوا على أسير أو يعثروا على جثة لداعشي، رغم أنهم أطلقوا على محاورهم ونقاط تمركزهم آلاف الصواريخ والراجمات، دون أن يدرك لخيبته، أن تفاهما جرى معهم، كان من نتائجه أن أبا مهدي المهندس، أصبح الحاكم العام للمحافظة، مثل ما أصبح رفيقه هادي العامري حاكما عاما لديالى، والبلدة الوحيدة في صلاح الدين التي شهدت قتالا بين الدواعش والميليشيات هي بيجي، بسبب وجود أربع مصافي نفط، وثلاثة معامل بتروكيماوية فيها، وفي النهاية انسحب الدواعش دون أن يتركوا قتيلا أو أسيرا واحدا، وأقبل الفنيون الإيرانيون وفككوا المصافي والمعامل ونقلوها إلى بلدهم في شاحنات عملاقة ولعدة أيام دون أن تطلق عليها رصاصة واحدة.

أما الموصل، فقد بات الحديث عن بيعها إلى الدواعش في العاشر من يونيو عام 2014 مكررا، وأفضت حرب تحريرها إلى تدميرها وخاصة جانبها الأيمن الذي انتهى إلى أطلال وخرائب دفن الآلاف من الضحايا تحتها، في الوقت الذي ارتفعت رايات الميليشيات الشيعية التي افتتحت عشرات المقرات وخصوصا في جانبها الأيسر، وما زال مليون من نازحيها يعيشون في عذاب ومعاناة في مخيمات النزوح ومعسكرات العزلة لا يسمح لهم بالعودة إلى ديارهم ليباشروا بترميم بيوتهم، بحجة التدقيق الأمني، والقصد واضح ويتمثل في إفراغ المدينة من سكانها الأصليين، وتركها مخربة ومهجورة وبالتالي فإنها تفقد مكانتها كمدينة حضارية عربية، هي الثانية في العراق بعد العاصمة بغداد.

والآن جاء الدور على محافظة الأنبار، ومن ينظر إلى خارطة حدودها مع دير الزور السورية، يلحظ ببساطة التلاصق الجغرافي والتداخل الاجتماعي المشترك بين المحافظتين، ويدرك بلا بحث أو تعب، أن الهدف من نقـل الدواعش من الحدود السورية اللبنانية إلى البوكمال الديرية الملاصقـة والمقابلة للقائم الأنبارية، هو إشعال غربي العراق بحرب قد تستمر أعواما، وسط بيئة صحراوية مفتوحة تمتد إلى محافظتي الموصل وصلاح الدين شمالا وشرقا، وإلى الأردن والسعودية جنوبا، وهذا يعني في المفاهيم العسكرية أن تنظيم داعش، الذي تشير الأنباء إلى أنه اتخذ دير الزور عاصمة جديدة له بعد خسارته للموصل واستمرار الاشتباكات في الرقة، سيجعل الأنبار تحت رحمته خصوصا وأنه ما زال يحتل أقضية القائم وعانة وراوة، ويحاصر مدن حديثة وهيت والرطبة، ويهدد الطريق البري الدولي بين العراق والأردن الذي تم الإعلان الرسمي عن افتتاحه في الأسبوع الماضي.

السنة العرب في العراق مهددون بالفناء بعد أن سُرقت ديالى وصلاح الدين وكركوك منهم، وخُربت الموصل ودُمّر حزام بغداد وحُوصرت أحياؤهم واغتصبت دورهم وممتلكاتهم فيها، وذُبحت الفلوجة وتحولت الرمادي إلى مدينة أشباح، وحان الوقت للإجهاز على الأنبار بالكامل، بشراكة داعشية-إيرانية أدواتها أبوبكر البغدادي وحسن نصرالله وبشار الأسد، بإشراف الولي الفقيه علي خامنئي ووكلائه قاسم سليماني ونوري المالكي وأبي مهدي المهندس، وبقية الوكلاء يظهرون تباعا.

  • قراءة 50 مرات
الدخول للتعليق