متى يتوقف العقاب الظالم لعرب العراق السنة

متى يتوقف العقاب الظالم لعرب العراق السنة

د. ماجد السامرائي

لا بد من الإشارة إلى أن الدفاع عن حقوق المواطنة المسلوبة للعرب السنة في العراق وتبيان أوضاعهم المزرية منذ عام 2003 لا يعني موقفا طائفيا مناوئا للسلطة الحاكمة باسم الشيعة رغم إن السنة لم يحكموا العراق أو يشاركوا في حكمه تحت راية طائفتهم.

ولهذا الاعتبار وبعد كل ما جرى ضدهم لا يجوز إخراس صوت الحقيقة أو اتهام رافعيها بأنهم منحازون أو لهم أغراض تستهدف إزاحة الحكم، فليس من يؤشر على تلك الأوضاع من العراقيين أو منظمات الأمم المتحدة أو الدول الكبرى أو المنظمات إنسانية يُتهم “بالداعشية” أو “المؤامرة” فقد احترقت ورقة داعش، أو أنهم يريدون اختطاف الانتصار في الموصل.

هذه الاتهامات لا تغطي على مسلسل القصاص من أهل هذه المدينة بعد توصيفهم بأنهم حاضنة الإرهاب لأنهم ضحية كبرى له، بعد تحرير الموصل على يد القوات العراقية وقبل إنجاز تحرير باقي مناطق العراق الأخرى بدأت اللعبة السياسية المضطربة انطلاقا من البيت الشيعي الذي تهاوت أركانه منذ وقت ليس بقليل، وكانت عقدة الأحزاب الكبيرة هي في كيفية إخراج السيناريو القادر على مواجهة الاستحقاقات السياسية الداخلية والخارجية وكيفية التعامل مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي دخل البيت الأبيض وفي جعبته الكثير حول ملفات المنطقة والعراق بالشكل الذي يقلق أحزاب الإسلام السياسي على مصيرها، خصوصا إنه يتعاطى مع هذا الملف على محورية تقليص الدور الإيراني في كل من سوريا والعراق والمنطقة.

هذه الرسالة الأميركية وصلت إلى تلك الأحزاب التي لا حلول جاهزة عندها، فهي لا تمتلك الخبرة والمهارة السياسية للتعاطي مع المخاطر الجديدة لكونها أكبر من قدراتها المكرسة للحفاظ على الكراسي المخضبة بدماء الضحايا والنهب وبالفساد الذي تحمي إمبراطوريته تلك الأحزاب، ولم يكن أمامها سوى الاسترشاد بقدرات طهران في التعاطي مع هذا النوع من الأزمات والتي لديها قدرات اللف والمناورة في علاقاتها الإقليمية والدولية.

فهي مثلا قادرة على التوفيق بين الشعارات العلنية بالعداء “للشيطان الأكبر” أميركا، والعمل معها في الباطن في كأفغانستان والعراق وسوريا. ذلك أن الخصومة السياسية ليست عداء عاطفيا يستخدمه السياسيون لقيادة الجمهور فقط، ويبدو أن الأحزاب الشيعية الكبيرة أخذت تتعرف على هذا النوع من التعاطي السياسي، ففي إعلان بعض قادتها خصومة أميركا فإنهم يريدون إيصال رسائل لواشنطن “بأننا هنا وعليكم التعامل معنا وليس مع غيرنا”.

ما يجري وفق هذا الترتيب عملية جراحية معقدة داخل الجسم السياسي الشيعي في العراق قد تفقده الكثير مما كان عليه من مظاهر وكبرياء منحتهما له السلطة، فحصل الفرز والتقسيم بين الصقور المعلنين مجابهتهم للأميركان تحت ما يسمى محور “الممانعة” أي محور إيران الشعبوية ويقف على رأسه نوري المالكي الذي لديه ترتيباته لامتصاص حالة الموصل بوجه رفاقه وفي مقدمتهم العبادي والصدر وضد أهل الموصل، والدخول في السباق الانتخابي مبكرا وزيارته لموسكو تقع ضمن هذه الفعاليات، حيث وجه رسائل مزدوجة للداخل الشيعي بأنه موجود وقادر على اللعب والانفلات من المحاصرة الشيعية، كما وجه رسالة للإدارة الأميركية حين طالب الروس بوجود عسكري في العراق يقابل الوجود الأميركي، وليقول لهذه الإدارة إن سيناريوهات التغيير السياسي التي يعتقد بأنها تقودها حاليا للتخفيف من المأساة الكبرى للعرب السنة وتعديل الموازين السياسية لن تجد طريقها للتنفيذ، وستجابه في حالة الاضطرار عبر قوة السلاح المنتشر في كل مكان.

أما الفريق الشيعي الثاني وهو الذي اختيرت له سياسة المهادنة مع الأميركان وحتى مع المحيط العربي السني الذي يسعى بصورة جدية إلى مساعدة العراق ومحافظاته الخارجة من الدمار والرغبة في تنظيم حملة إعمار جدية خصوصا من قبل كل من السعودية والإمارات.

إعلانات المهادنة تسير وفق نظرية “التقية الشيعية” لكن لم تصل إلى الحالة الجدية في مغادرة النهج السياسي العقابي ضد السنة والتخلي عنه بإجراءات واضحة، ويمثل هذا الفريق حيدر العبادي الذي يحاول مسك العصا من الوسط وإلى جانبه ما يحصل من انهيارات تنظيمية في مجلس الحكيم الذي قرر أن يلوذ بنفسه من المصير المرتبك بالانفصال عن مجلسه ومجلس والده وعمه الراحل محمد باقر الحكيم الذي أسست له طهران هذا المجلس خلال الحرب العراقية الإيرانية.

وهناك من يقول إن إيران رضيت عن قراره التجديدي الشكلي هذا ضمن محاولاتها تقديم تطمينات للأميركان لإجراءات انفتاحية ستنسحب على باقي التشكيلات الشيعية.

وحالة عمار الحكيم نابعة من شعوره بالمحاصرة لأسباب ذاتية وسياسية تتعلق بالترف السياسي والمالي التي وصل إليها على حساب العاملين معه من القيادات لكنه يرى بأنه متفضل عليهم بالجاه والمال والنفوذ، ولهذا أسس حزبه الجديد حزب الحكمة الوطني والذي يرتبط باسمه واسم عائلة الحكيم لكن هذا الانشطار والتخلي عن رفاقه سيضعف من جماهيريته التي تراجعت، وستشهد الأيام المقبلة انشطارات في حزب الدعوة بسبب أزمة عدم السماح لنوري المالكي بالولاية الثالثة عام 2014 مما أدى إلى تمسكه بمواقعه السياسية وبمواقفه المتطرفة وشعوره بسرقة السلطة منه وتقديم بديل من داخل قيادة حزب الدعوة ذاته متمثلا بالعبادي، ولهذا جرت الاستقطابات على وقع معركة الموصل وتحريرها مما ولد الشعور عند العبادي بأنه الأجدر بالسلطة من المالكي أو غيره من الرموز الشيعية الأخرى.

جميع الأحزاب الشيعية الكبيرة تعيش فوبيا فقدان السلطة وساعة المحاسبة بينهم وبين الشعب قد حانت، ولهذا يعتقدون أن تغيير العباءات وألوان الرايات ستحقق أغراض التمويه عن المواجهة السياسية الجدية والعبور إلى موسم الانتخابات المقبل، باعتقاد واهم بأن عمليات الترويض والإذلال ضد الطائفة العربية السنية وترويج أطروحة التخويف من البعثيين أو السنة وربطهم بداعش، إضافة إلى سياسة إغراق بعض الشيعة بالعطايا السخية يمكن أن تحميهم إلى حين الانتخابات.

حزب الدعوة لم يقدم الحلول الموضوعية لأزمة العراق السياسية وهي التخلي عن سياسة التمييز الطائفي ضد العرب السنة، أو تقديم إنجازات الحياة الكريمة لعموم شعب العراق. ولم يمارس مسؤولياته من خلال سلطة الحكم في تعطيل هوس الموتورين المتطرفين والذين يجددون شعارات الكراهية والحقد والثأر في كل مناسبة.

إن قادة حزب الدعوة وزعاماته لم يجربوا سياسة العدل والمواطنة والقانون رغم أنها شعارات تظلل كتلهم السياسية. فهل سيخسرون شيئاً لو اتبعوا سياسة إنصاف عرب العراق السنة وهم من أهل العراق، أم إن فوبيا ضياع السلطة هي المسيطرة على مخيلاتهم السياسية. لماذا لم يتمكن حيدر العبادي من تنفيذ شعارات الإصلاح التي جاء للحكم بديلا عن المالكي وفقها؟ معتقداً أن إنجازه العسكري سيغطي على جميع الاستحقاقات الوطنية مع أن المعركة ضد الإرهاب والفساد واحدة.

كما أنه لم يباشر حصر السلاح بيد الدولة في ظل عودة مسلسل الاغتيالات للمدنيين داخل بغداد، ولم يوقف الانتهاكات ضد أبناء الموصل وغيرها، ولم يتخذ إجراءات واضحة في إنهاء حملات القتل والتغييب والخطف الجماعي في حزام بغداد تحت شعار مطاردة فلول داعش.

لماذا لا يفكر حزب الدعوة بعقل سياسي غير إقصائي وينهي مرحلة الاضطراب السياسي والأمني، وبذلك يكسب الشارع العراقي بسنته وشيعته قبل فوات الأوان.

  • قراءة 69 مرات
الدخول للتعليق