التجربة السياسية الشيعية الحديثة.. من المعارضة إلى السلطة

التجربة السياسية الشيعية الحديثة.. من المعارضة إلى السلطة
 
 
 
 

2- التجربة الشيعية العراقية

أ‌.       بوزيدي يحيى – باحث وكاتب جزائري

خاص بالراصد

ارتبط تاريخ الشيعة بالعراق منذ ظهور هذه الطائفة في المجتمع الإسلامي؛ وأهم تحولاتها وقعت في الجغرافيا العراقية، ومن حينها لم يمر على هذا البلد تحول سياسي مهم إلا وكان لهم دور فيه، سواء خلال فترة الحكم العباسي، الذي جعل من بغداد عاصمة للخلافة، وغيرها من التطورات السياسية، لعلّ أهمها الحروب العثمانية الصفوية التي كانت بلادُ الرافدين مسرحا للكثير من معاركها، وصولا إلى استقلال العراق ومسارات بناء الدولة الوطنية، التي كان ولا يزال للشيعة دور فيها، خاصة بعد استحواذهم على السلطة منذ عام  2003.

وتتسم الحالة العراقية ببعض الخصوصيات التي تميزها عن بقية التجارب الشيعية؛ يتوجب أخذها بعين الاعتبار عند محاولة تقييمها. أول هذه الخصوصيات يتمثل في وجود حوزة النجف التي تعتبر مركزا علميا للشيعة منذ ظهورها سنة 449هـ، والتي كان لها دور في كل المحطات المصيرية، ليس لشيعة العراق فحسب، بل وأيضا لشيعة إيران بعد تحولها إلى التشيع، وهذا يقود للخصوصية الثانية المتمثلة في الموقع الجغرافي المجاور لإيران، التي أصبحت مركزا للشيعة من خلال حوزة قُـم، ونموذجا للسلطة ما قبل الدولة المهدوية عند الشيعة؛ التي يتفق الشيعة عليها كهدف نهائي وإن اختلفوا في كيفية التعاطي مع الواقع ريثما يعود الإمام الثاني عشر من غيبته الكبرى.

وفي محاولة رصد التجربة السياسية الشيعية العراقية الحديثة تبرز ثلاث محطات أساسية:

  •  تمتد أولها من الحرب العالمية الأولى حتى سقوط الحكم الملكي بانقلاب 1958، وتتميز هذه الفترة بالاحتلال البريطاني وصعود التيارات القومية والشيوعية.
  •  والمحطة الثانية تبدأ من نهاية الملكية وتشمل الحكم البعثي حتى الاحتلال الأمريكي للعراق في 2003. وتتميز هذه المرحلة بصعود التيارات الإسلامية في المنطقة والتي توجت في سياقها الشيعي بوصول الملالي إلى السلطة في إيران سنة 1979، وقبلها تأسيس حزب الدعوة في العراق.
  • والمرحلة الأخيرة التي نعايشها حاليا منذ 2003 والتي تتميز بوصول الشيعة إلى السلطة عقب الاحتلال الأمريكي.

مرحلة الاستقلال وبناء الدولة: المواطنة على المقاس الطائفي

خرج العراق من عباءة الحكم العثماني ليدخل مباشرة تحت الاحتلال البريطاني، والاستقلال عنه في 1932 لم يضع نهاية للنفوذ البريطاني. واستمر الوضع على هذا الحال حتى الإطاحة بالحكم الملكي بانقلاب 1958.

وخلال هذه الفترة التي دامت قرابة أربعة عقود عَرفت البلاد سجالات كبيرة بين مختلف الأطياف السياسية دارت جلّها حول الموقف من الاحتلال البريطاني، ثم من نفوذه غير المباشر، والموقف من السلطة السياسية، وقد تنوع الفاعلون في كل هذه الأحداث بين النخب الدينية والحزبية والزعامات العشائرية، ولم يخلُ كل ذلك من تأثيرات خارجية.

لم يغب الشيعة عن تفاصيل هذا المشهد، وقد توزعوا على مختلف ألوان الطيف السياسي، وإن كان جلهم في خط المعارضة، فقد توزع رموز النخبة الشيعة على كل التيارات السياسية التي سادت العمل السياسي، سواء التيار القومي العروبي، أو الإسلامي الوطني، أو الشيوعي، أو الديمقراطي، أو الليبرالي، السرية منها والعلنية، الوطنية منها أو السلطوية([1]).

ففي 1917 تأسس حزب النهضة الإسلامي بمدينة النجف، والجمعية الوطنية الإسلامية في 1919 بمدينة كربلاء، وفي 1922 تأسس الحزب الوطني العراقي ذو الوجود الشيعي الواضح برئاسة محمد جعفر أبو التمّن، وحزب النهضة الوطني ذو الغالبية الشيعية أيضا برئاسة أمين الجرجفجي. والميزة الأهم تمثلت في تزعّم الشيعة للاتجاه الشيوعي الذي كان أغلب قادته ينتمون لهذه الطائفة، فقد كانت القيادات الشيعية، وخصوصا الكوادر المثقفة في الأربعينيات والخمسينيات، هي من نشطت في تأسيس الأحزاب اليسارية وتقويتها([2]). والكثير من شباب الشيعة المتعلمين كانوا من مؤازري الحزب الشيوعي العراقي نتيجة توسع التعليم الرسمي في المناطق الشيعية إبان الثلاثينيات([3]).

وشارك الشيعة في الحزب الشيوعي العراقي السري بداية، وفي حزب البعث العربي الاشتراكي لاحقا، مشاركة واضحة، وهو ما مكّنهم من تبوؤ مناصب قيادية مركزية في الحزبين([4]). فقد كان الأمين العام للحزب الشيوعي العراقي "عادل سلام" من أهالي النجف، وينتمي إلى أسرة من السادة، واسمه الحقيقي سيد حسين الرضوي([5]).

وترأس صالح جبر، وهو من نخبة الشيعة المعروفين، حزب الأمة الاشتراكي، الذي تأسس في 1951، ويكاد هذا الحزب أن يكون محصورا في الشيعة بالدرجة الأولى، رغم أن رئيسه لم يكن معروفا بالطائفية([6]).

وكانت قيادة البعث بيد فؤاد الركابي (الشيعي) حتى 1959؛ حيث كان نسيج الحزب متألفا من مزيج من الشيعة والسنة، وكان التوجّه العام للحزب هو التوجه القومي العربي المطعّم بميول اشتراكية([7]).

ويزعم الشيعة أن ما حصل في هذه الحقبة كان إقصاءً ممنهجا لهم، وحتى مشاركتهم بين الفينة والأخرى لا ترتقي إلى مستوى حجمهم في المجتمع العراقي، وأن السنة احتكروا العمل السياسي، ويتداول في الأوساط الشيعية أن المبدأ الذي هيمن على معادلة الحكم في العراق أيام العهد الملكي وما بعدها هو "أن الضرائب على الشيعة والمناصب للسنة"([8]).

وفي دراسة للوزارات خلال هذه المرحلة اتضح أن هناك أربعة من نخبة (الأقلية الشيعية) تقمّصوا رئاسة سبع وعشرين وزارة من أصل أربع وخمسين وزارة، أي أن نصف الوزارات تقمصتها نخبة الأقلية! في حين تقلد أربعة من نخبة الأكثرية رئاسة خمس وزارات فقط، من المجموع العام للوزارات الملكية البالغ تسع وخمسون وزارة، علما أن جلّ الذين تقلدوا رئاسات الوزارات من الفئتين كانوا ضمن حلقات المتعاونين مع الإنكليز أو محسوبين على البلاط، سواء عند استوزارهم، أو خلال مسؤولياتهم اللاحقة([9]).

ومن حيث طبيعة توزيع الحقائب الوزارية لغالبية الوزارات التي تشكلت في العهد الملكي؛ فغالبية الوزارات الحساسة والمهمة، ورئاسة الأركان والقوة الجوية والكلية العسكرية وكلية الشرطة وكلية الأركان والاستخبارات العامة، كانت محصورة في رجالات بقايا ذلك الجيل من نخبة الأقلية وامتداداته([10]).

وعند رصد تشكيلات الوزارات التسع والخمسين التي استوعبتها فترة الحكم من 1920 – 1958، والتي ضمت 175 وزيرا، نجد أن حصة الشيعة فيها بحدود 45 وزيرا، وهي نسبة تعادل 25 بالمائة، وإذا تم حساب المشاركات الفعلية، يظهر أن عدد المشاركات لنخبة السنة سواء -كرؤساء وزراء، أو وزراء-، كانت بحدود 364 مشاركة متكررة، اضطلع فيها بحدود 130 شخصية من بين رئيس للوزراء ووزير في حقيبة وزارية، وبدون حقيبة في حين أن حساب المشاركات الفعلية لنخبة الشيعة سواء كرؤساء وزراء، أو وزراء كانت بحدود 136 مشاركة متكررة، اضطلع فيها بحدود 45 شخصية بين رئيس للوزراء ووزير بحقيبة وزارية، وبدون حقيبة، وهي نسبة تقل عن 40 بالمائة من حجم المشاركات العمومية. أما الوزارات التي تبوأها الشيعة فهي متنوعة شملت كل الوزارات العراقية التي قامت خلال تلك الفترة([11]).

لا يمكن نفي ضعف المشاركة السياسية للشيعة في السلطة خلال هذه المرحلة، والتي تمثل -بشكل أو آخر- امتدادا لأسلوب الحكم العثماني الذي تميز إلى حد ما بالتعصب ضد الشيعة([12]). غير أن ما يمكن الوقوف عنده في هذه المرحلة أن النخب السياسية جلها تنتمي للتيار القومي، فكما سبق الإشارة تتميز الحقبة الملكية من التاريخ العراقي بالحضور القوي للاحتلال البريطاني، وما يدفع به ذلك من تراجع الانتماءات الهوياتية تحت الوطنية وصعود الهوية الوطنية في مواجهة الاحتلال الذي يحرك تلك المشاعر.

ومن المعلوم أيضا أن غالب تلك التيارات كانت علمانية أو على الأقل لا تتحرك من خلفيات دينية، وبذلك فإن نعت السلطة في تلك المرحلة بـ "السنية" لا يستند إلى مبررات موضوعية، والقراءة المعاكسة تستلزم منطقيا وصف النخب الشيعية التي كانت تنشط أيضا تحت عناوين قومية ويسارية بالطائفية. ومن هذا المنطلق فإن مشاركة الشيعة تبقى في إطار المعقول عند الأخذ بعين الاعتبار عدم وجود قانون ينص على تقسيم السلطة على أساس طائفي، ناهيك عن الجدل الذي ما زال مطروحا حول حقيقة نسبة الشيعة في المجتمع العراقي.

من جانب آخر فإن من التناقض البيّن أن القيادات الشيعية التي تبوأت مناصب سياسية في هذه المرحلة، والتي اتخذت إجراءات مسايرة للحكم البريطاني والملكي ضد القوى الوطنية المعارضة؛ تبرّر مواقفها -في أسوأ الأحوال- بالمصالح الخاصة أو الضغوط من بلاط الملك أو الإنجليز، بينما نفس المواقف والسياسات حين تصدر عن القوى السياسية السنية في تلك المرحلة تصنّف على أنها طائفية ولا يؤخذ بعين الاعتبار البعد الأيديولوجي أو المصلحي كما في حالة النخب الشيعية!

ومن زاوية ثالثة يُنظر للقوى الشيعية المشاركة في السلطة حينها كقوى وطنية، ويستند على سلوكها كترجمة عملية للانصهار في المجتمع، ونبذ الطائفية. وهذا فضلا عن أنه يستلزم أن القوى السنية في الطرف الآخر لم تكن تحركها الخلفيات الطائفية؛ فإنه بعيدا عن هذا التفصيل يفرض السياق طرح سؤال التدين عند النخب السياسية في تلك المرحلة، والذي نجده بعيدا عن مركز صياغة الرؤى السياسية، والسياق الأمثل لاستحضار هذا البعد في تحليل المواقف السياسية مع بروز الأحزاب الدينية التي رفعت شعارات تعبر عن أيدلوجيتها بشكل مباشر وصريح وعلني.

مرحلة الصحوة: التموضع داخل الطائفة

تزامن التحول من الاتجاه اليساري والقومي إلى الاتجاه الديني مع نهاية الحكم الملكي وصعود البعث لاحقا، وتذهب بعض القراءات إلى أن انتقال شيعة العراق من الشيوعية إلى العمل السياسي الطائفي جاء كردّة فعل على سياسات التهميش والإقصاء التي تعرضوا لها سابقا([13]).

غير أن هذا التحليل يغفل السياق العام للظاهرة التي لم تكن حكرا على المجتمع العراقي بشكل خاص، أو الشيعة بشكل أخص، فصعود ثم تراجع التيارات القومية واليسارية ظهر في المنطقة العربية والإسلامية بشكل عام كانعكاس لما كان يحصل في أوروبا، ومع إخفاق هذه التيارات في تحقيق وعودها وفشلها داخليا وخارجيا كانت التيارات الإسلامية تعرف صعودا تدريجيا نضج في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.

وأهم ما يؤكد ذلك أن مناهضة الشيوعية جاءت من داخل الحوزة الدينية؛ فمحمد باقر الصدر ألّف كتابه الشهير "فلسفتنا" على أساس توصية من المرجع الحكيم، وذلك لمواجهة المدّ الشيوعي الذي اكتسح الوسط الشيعي أكثر من اكتساحه للوسط السني([14]). كما أسهم في صعود الشيعة لجوء المرجع الخميني إلى العراق هربا من ظلم الشاه، مقيما وسط الشيعة في النجف في أوائل الستينيات، مما أدى إلى انحياز الشيعة أكثر فأكثر لمزج الدين بالعمل السياسي([15]).

ويمثل حزب الدعوة أول مؤسسة حزبية شيعية تهدف للوصول إلى السلطة لتطبيق نموذج حكم يتوافق مع عقائد الشيعة، وقد انبثق من صميم رحم المؤسسة الدينية الشيعية، بمشاركة ثقل ديني وعلمائي وطبقة من المثقفين الإسلاميين، وعلى رأسهم محمد باقر الصدر ومهدي ابن محسن الحكيم، ونجله الثاني محمد باقر الحكيم، ومحمد بحر العلوم، إضافة إلى نخبة من رموز الشيعة([16]).

وقد قويت شوكته بعد إصدار علماء الشيعة فتاوى ضد العضوية في الحزب الشيوعي في 1960 فاتسعت قاعدة الحزب في أواخر عقد الستينيات في ظل قائده محمد باقر الصدر. ومع أن مبادئ الحزب المعلنة تجاه القضية العراقية كانت عادية ومعتدلة إلا أن دعوته لقيام جمهورية إسلامية في العراق أعطته صبغة ضيقة لم يتحرر منها([17]).

ولم تكن فكرة الوطنية والانتماء للعراق مطروحة عند حزب الدعوة، ذلك أن التوجه السائد للأحزاب الدينية السنية والشيعية هو التوجه الأممي المنادي بوحدة الأمة الإسلامية، ولهذا فكّر قادة الحزب في فتح فروع له في أفغانستان ودول أخرى([18]). وقد تعزز هذا الطرح بعد عام 1979، ففي بداية الثورة الإيرانية تحول نداء المعارضة الشيعية العراقية من المطالبة بالمشاركة في الحكم إلى هتاف للخميني وإلى قيام الجمهورية الإسلامية في العراق، وإلى فتوى علمائية بتحريم العضوية في حزب البعث([19]). وأصبح باقر الصدر يتكلم وكأنه متحدث باسم الخميني في العراق ويجاهر بالولاء للثورة الإيرانية، ويذكر الخميني على أنه ولي أمر المسلمين في كل مكان([20]).

وما يؤكد هذا الاستنتاج موقف قيادات الأحزاب الشيعية حينها من التيارات الإسلامية السنية، فقد كانت مشاركة الشيعة محدودة في حزبي الإخوان المسلمين والتحرير ذوي الأكثرية سنية التي تكاد تكون مطلقة([21]).

وفي تاريخ الحركة الإسلامية الشيعية العراقية فإنّ جلّ التنظيمات الشيعية كانت منغلقة على نفسها، والمبادرات القليلة في هذا المجال التي حاولت تجاوز الإطار الطائفي لم تستطع ذلك، فطالب الرّفاعي الذي كانت له صلة بحزب التحرير والإخوان المسلمين؛ وهما من التنظيمات السنية مع إقراره باتصالاته الوثيقة بهما إلا أنه نفى أن يكون عضوا فاعلا بحزب يقوم على غير الفكر الذي يعتقده ويتبناه (الفكر السياسي الإمامي) ([22]).

ويبدو أن انضمام شيعة –يضيف رشيد الخيون- إلى أحزاب سنية دينية كان فيه نوع من المكابرة، أو تجاوز على الواقع إلى الأخذ بالدعاية الحزبية، وإلا فالاختلاف الديني والسياسي بين الشيعة والسنة أكبر بكثير من تلك المحاولات الفردية، ألا وهو اختلاف الإمامة، وبالتالي الاختلاف في العقيدة السياسية، فالإمامة والعدل هما الأصلان السياسيان اللذان يميزان الشيعة عن السنة، وتُبنى عليهما فكرة الدولة، ويرتبط لدى المرجعية التقليدية تطبيقهما بصاحبهما وهو الإمام المهدي المنتظر، صاحب الأمر([23]).

الشيعة والاحتلال الأمريكي: مغالطات ومفارقات

يجعل الشيعة من سياسات نظام صدام حسين مبررا لأنشطتهم المعارضة التي انتهت بالإطاحة به من فوق الدبابة الأمريكية، وهذه القراءة فيها الكثير من المغالطات والمفارقات التي يجب الوقوف عندها. وبالنسبة للأولى فتتمثل أهمّها في:

المغالطة الأولى: لم يكن الشيعة المتضرر الوحيد من ديكتاتورية صدام حسين، فكل معارض لنظامه -بغضّ النظر عن خلفيته الدينية والإثنية- تضرر من تلك السياسات، حتى شاع عنه أنه كان عادلا في توزيع ظلمه. فهو كما أعدم أفرادا من عائلة المرجع الديني الحكيم، ومحمد باقر الصدر، أعدم علماء من السنة أيضا كجماعة المهندس فائز الزيدي سنة 1990، والشيخ محمود سعيدة، والشيخ تلعة كاظم الجنابي، وغيرهم من أتباع التيار السلفي([24])، وأصدر حكما بالإعدام على كل من ينتمي للوهابية سنة 2001، هذا فضلا عن آلاف المعتقلين من السنة، كما أنه لم يستحضر الخلفية الدينية للأكراد "السنة" في حروبه معهم، وبذلك فإن الحديث عن مظلومية شيعية مغالطة تنفي المظلومية العراقية بل حتى العربية أو الكويتية على الأقل.

المغالطة الثانية: لم تكن منطلقات الشيعة وطنية تهدف إلى تعميم الحقوق السياسية، وإنما انحصرت في ما يعتبرونه حقوقهم، وقد سبق الإشارة إلى تموضع الشيعة داخل طائفتهم وتحديد الولاء بناء على الانتماء الشيعي، كما كانت مطالب قادة الشيعة من حكومة البعث تركز على القرارات ذات البعد الشيعي الطائفي على غرار إلغاء قانون الأحوال الشخصية، ومنح الشيعة تمثيلا حقيقيا وكاملا في السلطة([25]).

       

أما بالنسبة للمفارقات فقد تجلّت عقب الاحتلال الأمريكي ويتمثل أهمها فيما يلي:

المفارقة الأولى: يعيب الشيعة على الحكم الملكي، والجمهوري خاصة في نسخته البعثية، إقصاءهم وتهميشهم، وإضعاف البلد، وغيرها من العناوين التي تداولوها في عقود المعارضة، غير أنهم لما أتيحت لهم الفرصة مارسوا كل ذلك حتى قبل استحواذهم على السلطة، فقد انصبّ اهتمام القوى الشيعية على إسقاط نظام صدام حسين وما يحصلونه لطائفتهم دون الاكتراث للوطن وبقية مكوناته، وتعاملوا مع الاحتلال الأمريكي بمنطق المكاسب لصالح الحزب أولا، والشيعة ثانيا، أما العراق فلم يكن واردا في حساباتهم، وقد تجلى ذلك في دعم الغزو الأمريكي، واستحواذهم على السلطة بدايةً بمجلس الحكم، فمِن بين الـ 25 عضوية المكونة للمجلس ذهبت حصة الأسد للشيعة ممثلة في 14 عضوية([26]).

وبدل السعي إلى التوافق مع القوى المعارضة قبل إجراء الانتخابات انشغل الشيعة بالطريقة المناسبة لضمان سيطرتهم على السلطة بترك خلافاتهم الداخلية والتوحد في مواجهة القوى الأخرى وذلك بتوجيه من مرجعية السيستاني –بحكم موقعه الديني يعتبر توجيهه أمرا- ففي أول انتخابات في ظل الاحتلال أيضا والتي فاز فيها التحالف العراقي الموحد الذي يدعمه المرجع علي السيستاني بنسبة 48 % من الأصوات، مع أنها واجهت مقاطعة حادة من السنّة العرب ما أفقد نتائجها الشرعية الشعبية، حيث كانت نسبة المشاركة 2 % من الناخبين في محافظة الأنبار ذات الأغلبية السنية العربية([27]).

وفي الاستفتاء الشعبي على الدستور الجديد الذي جرى يوم 15 أكتوبر 2005 والذي وافق عليه 82 % من المشاركين إلا أنه في التفصيل بينما كانت الموافقة طاغية على الشيعة والأكراد، كان الرفض طاغيا في صفوف العرب السنة([28]). كما أن العنف والترهيب اللذين سادا المناطق السنية جاءا بنتائج مشوهة وغير ممثلة للمجتمع، وقد مهد هذا المسرح إلى استبعاد السنة العرب بصورة مؤسساتية عن السلطة، ولغيابهم عن الجهاز التشريعي فإنه لم يتسنّ لهم المشاركة في صياغة دستور دائم للبلاد([29]).

والخلفيات الطائفية هي المحدد الأساسي لسياسات الحكومات الشيعية المتعاقبة منذ الاحتلال الأمريكي، ومن أسباب الاحتجاجات التي عرفتها البلاد في صيف 2016 دأب الحكومات المتعاقبة على اتباع سياسة توظيف مكثفة؛ اعتمدتها كأداة من أدوات السيطرة على المجتمع، ما جعل الدولة المشغّل الأول في البلاد. ولكن انهيار أسعار النفط جعلها عاجزة عن الاستمرار في دفع رواتب ما يزيد على 6 ملايين موظف، يمثلون 45 % من القوة العاملة في البلاد، ما أدى إلى اندلاع الحركة الاحتجاجية([30]).

المفارقة الثانية: رفع الشيعة شعارات الوطنية لتأكيد انتمائهم العابر للطائفة، غير أن الممارسة العملية تفند كل ذلك، فالتعايش لقرون طويلة في المجتمع العراقي لم يكفِ لقيام تنظيمات دينية خارج الأطر الطائفية -وهو ما شهدته مرحلة ما بعد الاحتلال الأمريكي للعراق حيث وجهت مرجعية السيستاني بتشكيل الائتلاف الشيعي، ولا زالت الاعتبارات الطائفية هي المحرك الأساسي للأحزاب الشيعية، كما سبق الإشارة.   

المفارقة الثالثة: تحجج الشيعة بممارسات النظام ضدهم لانتهاج العمل المسلح، والذي كان يصفه نظام صدام بالإرهابي على غرار محاولة أعضاء من حزب الدعوة في أبريل 1980 اغتيال طارق عزيز، نائب رئيس مجلس الوزراء، ووزير الإعلام لطيف نصيف في أبريل 1982، ومحاولة اغتيال عدي ابن صدام حسين في يناير 1996، وغيرها من الأعمال الإرهابية التي قام بها الحزب، وبعد استحواذهم على السلطة مارسوا نفس الأساليب مع القوى المعارضة، والتي ليس آخرها ما قام به نوري المالكي بحق المعتصمين بمحافظة الأنبار في صيف 2014، واتهامهم بالإرهاب، وسياسات التهجير التي مارستها قبل ذلك المليشيات الشيعية، وعلى رأسها فيلق بدر التابع للمجلس الأعلى، وجيش المهدى التابع لمقتدى الصدر.

المفارقة الرابعة: استهجن الكثيرون تلك الازدواجية في الطرح الأمريكي والغربي، التي تقسم المجتمع العراقي إلى سنة وشيعة وأكراد، حيث تقتضي الموضوعية تقسيمه إلى أكراد وعرب، ولكن في المقابل فإن السلوك السياسي للشيعة لم يشذ عن هذا التقسيم، وهذا ما جسده دستور المحاصصة الطائفية، الذي يعتبر الشيعة أنفسهم صانعيه بقرارهم على عكس رغبة المحتل الأمريكي؛ حيث انطلقوا من الإحصائيات التي يعتبرون أنفسهم فيها أغلبية مقابل السنة دون احتساب الأكراد بصفتهم سنة أيضا، ذلك لأنه عند الجمع بين النسبتين يصبح الفرق بسيطا جدا لا يصلح معه الحديث عن أغلبية وأقلية، خاصة في ظل وجود قراءات أخرى تؤكد هشاشة أطروحة الأغلبية الشيعية من الأساس؛ وذلك بالاستناد على معطيات جديدة تتعلق بالانتخابات البرلمانية التي جرت في 2012 ونسبة المهجّرين من المحافظات السنية، والتي تؤكد أن العرب السنة لوحدهم يشكلون بين 32 إلى 35 % من المجتمع العراقي دون احتساب الأكراد([31]).

المفارقة الخامسة: وضع الحكومة العراقية الحالية شبيه إلى حد كبير بوضع الحكومات الملكية إبان الاحتلال البريطاني للعراق في عشرينيات القرن الماضي ونفوذها فيه الذي استمر إلى غاية الخمسينيات، وبينما يفاخر الشيعة بثوراتهم في تلك المرحلة ويدينون السنة الذين احتكروا السلطة حينها؛ فإنهم يقومون بالسلوكيات نفسها بل أسوأ من ذلك بكثير باعتمادهم على مليشيات مسلحة من فيلق بدر وجيش المهدي إلى الحشد الشعبي (الشيعي).

والأسوأ في الحالة الشيعية الحضور الإيراني، فقد استطاعت الأحزاب العراقية العائدة من إيران إعادة ترتيب أوضاع العراق الجديد بدعم معنوي من المرجعية في النجف وإسناد لوجستي من قبل إيران([32]). والمفارقة في هذا السياق أنه بينما يدلل على وطنية الشيعة في العراق بقتالهم في صفوف جيش صدام ضد إيران، هذه الأخيرة التي كان يقاتل إلى جانبها المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق والذي تحول بعد الاحتلال الأمريكي إلى أحد أبرز الفاعلين في العملية السياسية، وقام في 2007 بحذف كلمة "ثورة" من اسمه فصار "المجلس الأعلى الإسلامي العراقي"، ونقل ولائه من المرشد الأعلى للثورة الإيرانية في طهران علي خامنئي إلى علي السيستاني في النجف، وإن كان الواقع والمنطق ينفيان فك الحزب ارتباطه السياسي بإيران وأن ما جرى لا يعدو أن يكون إجراء شكليا لتجنب الإحراج([33]).

المفارقة السادسة: بينما كانت السلطة السياسية في المرحلتين الملكية والجمهورية المحسوبة على السنة في غالبها علمانية، واعتبرت سياساتها مع ذلك طائفية، فإنه في حالة السلطة الشيعية لا جدال بأن الأحزاب الحاكمة كلها دينية، سواء حزب الدعوة أو المجلس الأعلى أو التيار الصدري، ومدعومة من مرجعية النجف، ما يقطع بتمثيلها للشيعة جملة وتفصيلا.



([1]) عدنان عليان، الشيعة والدولة العراقية الحديثة: الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي (1914-1958)، بيروت: مؤسسة العارف للمطبوعات، ط1، 2005، ص 488.

([2]) كمال ديب، موجز تاريخ العراق: من ثورة العشرين إلى الحروب الأمريكية والمقاومة والتحرير وقيام الجمهورية الثانية، بيروت: دار الفارابي، ط1، 2013، ص 92.

([3]) إسحاق نقاش، (ترجمة عبد الإله النعيمي)، شيعة العراق، دمشق: دار المدى للثقافة والنشر، ط1، 1996، ص 237.

([4]) عدنان عليان، مرجع سابق، ص 484.

([5]) رسول جعفريان، التشيع في العراق وصلاته بالمرجعية وإيران: نظرة عابرة، قم: دار الحبيب، ط1، 1429هـ، ص 120.

([6]) عدنان عليان، مرجع سابق، ص 488.

([7]) رسول جعفريان، مرجع سابق، ص 122.

([8]) المرجع نفسه، ص 101.

([9]) عدنان عليان، مرجع سابق، ص 363-364.

([10]) المرجع نفسه، ص 364.

([11]) المرجع نفسه، ص 441.

([12]) عبد الله النفيسي، دور الشيعة في تطور العراق السياسي الحديث، بيروت: دار النهار للنشر، ط1، 1973، ص 81.

([13]) ينظر على سبيل المثال: إسحاق نقاش، مرجع سابق، ص 236. وينظر أيضا: كمال ديب، مرجع سابق، ص 92.

([14]) رسول جعفريان، مرجع سابق، ص 139.

([15]) كمال ديب، مرجع سابق، ص 93.

([16]) عدنان عليان، مرجع سابق، ص 484.

([17]) كمال ديب، مرجع سابق، ص 93.

([18]) رسول جعفريان، مرجع سابق ، ص 140.

([19]) كمال ديب، مرجع سابق ، ص 175.

([20]) المرجع نفسه، ص 174.

([21]) عدنان عليان، مرجع سابق، ص 484.

([22]) رشيد الخيون، 100 عام من الإسلام السياسي بالعراق الجزء الأول الشيعة، دبي: مركز المسبار للدراسات والبحوث، ط1، ماي 2011، ص 180-181.

([23]) المرجع نفسه، ص 211.

([24]) يحيى الكبيسي، السلفية في العراق: تقلبات الداخل وتجاذبات الخارج، الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات، 06/05/2013، ص 6.

([25] ) كمال ديب، مرجع سابق، ص 114.

([26]) كمال ديب، مرجع سابق، ص 505.

([27]) المرجع نفسه، ص 508.

([28]) المرجع نفسه، ص 509.

([29]) مجموعة الأزمات الدولية، العراق بعد الحشد العسكري 2: الحاجة لاستراتيجية سياسية جديدة، مجموعة الأزمات الدولية، تقرير الشرق الأوسط رقم 75 ، 30/04/2008، ص 14.

([30]) وحدة تحليل السياسات، العراق: احتجاجات مطلبية تحولت صراعا داخل بيت السلطة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، أغسطس 2016، ص 2.

([31]) لتفاصيل أكثر ينظر: سمير الصالحي، حقائق جديدة عن نسبة السنة في العراق (الشمس لا تغطى بالغربال)، مجلة الراصد، العدد 158، 01/08/ 2016، على الرابط:

http://alrased.net/main/articles.aspx?selected_article_no=7483

([32]) رسول جعفريان، مرجع سابق، ص 167.

([33]) مجموعة الأزمات الدولية، سياسات الشيعة في العراق: دور المجلس الأعلى، مجموعة الأزمات الدولية، تقرير الشرق الأوسط رقم 70، بتاريخ 15/11/2007، ص 1. 

  • قراءة 417 مرات
الدخول للتعليق