هل يجرأ “البارزانى”على إجراء استفتاء تقرير مصير “كردستان العراق”؟ ..الدوافع والتحديات

هل يجرأ “البارزانى”على إجراء استفتاء تقرير مصير “كردستان العراق”؟ ..الدوافع والتحديات

بقلم: منى سليمان*
هل يجرأ
 

جدد رئيس إقليم كردستان العراق “مسعود البارزاني” إعلانه المعهود بأنه سيجرى إستفتاء “تقرير مصير”بالإقليم تمهيدًا للإنفصال عن العراق وإعلان الدولة الكردية التي طال إنتظارها منذ بدايات القرن العشرين. وهذا الإعلان ليس الأول ولن يكون الأخير فهو إعلان يكرره بشكل مستمر،بيد أنه مؤخرًابدأ في إتخاذ خطوات فعلية لتنفيذه ومنها .. الإصرار على رفع علم كردستان على محافظة كركوك وهي ضمن المناطق المتنازع عليها بين بغداد وآربيل، مما أثار غضب الحكومة المركزية وأكد إصرار الأكراد على أفتعال المشكلات بشأن تلك المناطق، وكذلك الإتفاق علىتشكيللجنةلتحديدموعدالإستفتاءعلىتقرير مصير الإقليم تمهيدًا لإستقلاله وإعلانه دولة منفصلة عن العراق، وذلك الاتفاق جاء عقب عقد اجتماع موسع بين الحزبين الكرديين الكبيرين في كردستان وهما”الاتحادالوطني الكردستاني”بزعامة”جلالطالباني”،و”الحزب الديمقراطي الكردستاني” بزعامة”مسعودبارزاني”،وأكد الحزبان عقب اجتماعهما برئاسة “البارزاني” على أن إجراء الاستفتاءعلىالاستقلالهو موضوعاقومياًووطنياً،يستوجبالعمللتنفيذه والإسراعفيإيجادالحلولللمشكلاتالسياسيةوالقانونيةوالاقتصاديةفيالإقليم. فهل سينفذ هذه المرة “البارزاني” وعده المتكرر باجراءالاستفتاء قريبا ام ستكون الاجابة المعتادة بان الوقت غير مناسب وسيتم دراسة الامر مرة اخرى، وما هي المواقف العراقية الداخلية هل سيكون استقلال كردستان بداية لتقسيم العراق، وما هي المواقف الاقليمية من تلك الخطوة لاسيما تركيا وايران وما هي المواقف الدولية لاسيما الولايات المتحدة الامريكية، هل سيعترفون بالدولة الوليدة ام لا؟ هذا ما سنحاول توضيحه فيما يلي..

أولا: دوافع “البارزاني” لإجراء الإستفتاء:

إقليم كردستان العراقيقع شمال البلاد ويتمتع بحكم ذاتي يضم ثلاث محافظات (العاصمة آربيل، السليمانية، دهوك)، مساحته تبلغ حوالي 40,000 كيلومتر مربع (15,0000 ميل مربع) ويبلغ عدد سكانه حوالي 4 ملايين نسمة، الإقليم له حدود مع إيران من جهة الشرق وتركيا في الشمال، وسوريا إلى الغرب وبقية مناطق العراق إلى الجنوب. يعود إنشائه إلى معاهدة الحكم الذاتي التي وقعت بمارس (آذار) 1970 عند الاتفاق بين المعارضة الكردية والحكومة العراقية آنذاك على وقف القتال بينهما مقابل منح الاقليم حكم ذاتي. وفي عام 1991 أنشئت في الشمال منطقة حظر الطيران بعد حرب الخليج الثانية (حرب تحرير الكويت، وغادرت كافة القوات العراقية منطقة كردستان في (تشرين الأول) أكتوبر 1991، وأصبح الإقليم مستقل ذاتيًا إلا أن أيًا من الحزبين الكرديين الرئيسيين لم یعلنا الاستقلال في ذلك الوقت، وقد أيد الاقليم الغزو الامريكي للعراق في 2003 بل وقدم مساعدات عسكرية ولوجيستية للقوات الامريكية وحقق بناء على ذلك العديد من المكاسب السياسية والاقتصادية، وخلال التصديق على الدستور الجديد للعراق في عام 2005. تم توصيفمنطقة كردستان العراق ككيان اتحادي ضمن العراق، وجعل اللغة العربية واللغة الكردية لغتان رسميتان مشتركة في العراق.ويتمتع الإقليم بحكم ديمقراطي برلماني مع حكم برلمان إقليمي يتكون من 111 مقعدًا.

رئيس الإقليم الحالي هو “مسعود البرزاني”، الذي انتخب في بداية عام 2015 وأعيد انتخابه في عام 2009، ومنذ إنتخابه يعلن أنه سيقوم بإجراء إستفتاء لتحديد مصير كردستان العراق وإعلان الاستقلال والإنفصال عن العراق. ومنذ مطلع عام 2017 يجدد البارزاني ذلك الإعلان بكل ثقة في تنفيذه، وهذا الإعلان يجدد “البارزاني” كلما تفاقمت المشكلات الداخلية عليه كنوعا من الهروب أو تأجيل الحلول، بيد أن هناك العديد من الدوافع والمعطيات التي تجعل هذا الإعلان مختلفًا عن ما سبقه ومنها:

*”البارزاني” يرى في البيئة الإقليمية الحالية بيئة مواتية لتحقيق حلم الأكراد بإنشاء دولة لهم حيث تمر دول الشرق الأوسط بعملية اعادة هيكلة شاملة تخضع جميعها للتفكيك والتركيب وتغير التحالفات والتوازنات فخريطة الشرق الاوسط تتشكل من جديد، وقد طال انتظار الدولة الكردية منذ 100 عام واكثر فاول مفاوضات لانشائها بدأت بعد نهاية الحرب العالمية الاولى وبدء ارهاصات تفكك الدولة العثمانية في 1918، ومنذ ذلك الوقت لم تنشأ الدولة المنتظرة وكل ما حصل عليه الاكراد حكم ذاتي لمنطقة اقليم كردستان العراق فقط،بينما المناطق الكردية في سوريا وايران وتركيا تعاني من الاضطهاد المستمر، بيد أن ذلك بدأ يتغير بعد ثورات الربيع العربي لاسيما “الثورة السورية”، حيث استطاعت القوى الكردية السورية من السيطرة على بض مدن الشمال وتشكيل قوات كردية سورية لمواجهة الميليشيات المسلحة وبالطبع يتم ذلك بدعم كردي عراقي وايراني وامريكي. كما ان التطورات الاخيرة الخاصة بالازمة السورية تنذر بحصول اكراد سوريا على حكم ذاتي لمناطق الشمال السوري وهو ما يشجع البارزاني علي اجراء استفتاء.

*حظيإقليم كردستان بإهتمام دولي كبير منذ منتصف عام 2014 وذلك بفضل نجاح قوات البشمركة الكردية في وقف زحف تنظيم “داعش” على محافظات العراق بعدما سيطر التنظيم على ثلث محافظات البلاد في خلال أقل من شهر، بل أن “البشمركة” استماتت في الدفاع عن المدن العراقية خارج حدود الإقليم وبأسلحة دفاعية فقط فهي لا تملك أى أسلحة هجومية أو قوات جوية على الإطلاق، مما أثار إعجاب القوى الإقليمية والدولية التي أشادت بها.

*أستطاع الإقليم منذ 2011 الظهور بمظهر “الدولة القوية” فقد أستطاعت حكومة آربيل السيطرة على الوضع السياسي بالبلاد جيدًا في ظل بيئة مضطربة تمام كما تعاملت مع المظاهرات التي أجتاحت الإقليم عدة مرات بإحترافية وحنكة سياسية شديدة في وقت سقطت فيه أنظمة عريية قوية وعتيقة في الحكم خلال ايام من التظاهرات الشعبية فيما عرف “بثورات الربيع العربي”، وكذلك أدارت علاقاتها الخارجية وأزماتها مع طهران وأنقرة وبغداد بشكل جيد، ولم تتحالف مع دولة ضد أخرى، مما ترك انطباعا خارجيا عن استقلالية قرارها وأنها ليست تابعًا لأى قوة إقليمية بل هي قوة بحد ذاتها تساند قوى ودول كبرى في تحقيق أهدافها والحفاظ على مصالحها بمنطقة مليئة بالإضطراب كالشرق الأوسط.

*”البارزاني” يرى ان اقليم كردستان يجب مكافئته سياسيا بعدما خاض معارك ضد داعش على مدى العاميين الماضيين ومازال منخرطًا في معارك تحرير الموصل، كما ان الاقليم استقبل نازحيين ولاجئيين يقدر عددهم بنص ملوين نسمة، من العراقيين الناحيين من مناطق سيطرة داعش لاسيما في المناطق الايزيدية وبعض اللاجئيين السوريين خاصة من المسيحيين وهو موقف ثمننه المجتمع الدولي للاقليم وقدم له منح ومساعدات ليتمكن من تحمل اعباء اللاجئيين.

*لم تشهد الدولة العراقية منذ عقود حالة “الاستقرار السياسي”. بيد أنه مع سيطرة “داعش” على ثلث مساحة أراضيها وإنهيار الجيش العراقي سريعا وفراره أمامها بل وضعف الحكومة المركزية ظهر العراق بأنه بمظهر “اللا دولة” ولا جدوى من الإستمرار في البقاء تحت مظلته سياسيًا أو أمنيًا أو إقتصاديًا بل ان البقاء تحت الراية العراقية أصبح عبئًا على كردستان.

*إقليم كردستان العراق هو بالفعل دولة فهو يتمتع بحكم ذاتي تام ومستقل سياسيا وله برلمانه المحلي ويمتلك بنية تحتية كاى دولة نامية، وحقق خلال اعلقد الماضي طفرة اقتصادية كبيرة بفعل بيعه لنفطه الخام ، كما أن له تمثيل في اكثر من 60 دولة عبر قنصليات عدة، ومستقل اقتصاديا فهو يملك ثروة نفطية هائلة ومطاران ولا ينقصه سوى الاعلان عن تحوله لدولة والاعتراف الدولي به.

*الموقف الدولي فيما يخص إنفصال كردستان العراق بدأ يتغير، فقد أتفقت الدول الكبرى ذات الصلة بالقضية (الولايات المتحدة الامريكية، ألمانيا، روسيا) بشكل ضمني وغير معلن على رفض إنفصال الإقليم أو تقسيم الدول التي تمر بأزمات، بيد أن واشنطن في عهد “ترامب”أصبح من الصعب التنبأ بقراراتها خاصة في ظل الدعم المطلق الذي يوليه “ترامب” للأكراد بعد محاربتهم “لداعش”، وكذلك ألمانيا التي تعد أكبر الداعمين الأوروبيين للأكراد، وفيما يخص الموقف الروسي فموسكو تتعامل بمبدأ براجماتي مع قضايا الشرق الأوسط وخلال مفاوضات الآستانة الخاصة بالأزمة السورية وافقت موسكو على إنشاء حكم فيدرالي موسع بسوريا في ظل مؤشرات على إنشاء كيان كردي مستقل وهذا يلخص موقفها من القضية الكردية.

ثانيا: تحديات تعرقل إعلان الدولة الكردية:

في ظل المعطيات السابقة فإن هناك رغبة كردية يرافقها إرادة قوية لإعلان الدولة الكردية ولا ينقصها سوى الإدارة الجيدة للإستفتاء على تقرير المصير التي سيخير مواطني العراق الأكراد بين البقاء بالدولة الإتحادية العراقيةأو الإنفصال وإعلان دولة جديدة، بيد أن هناك العديد من التحديات التي تعرقل إجراء الإستفتاء ثم إعلان الدولة الكردية ومنها:

  • الخلافات الكردية-الكردية:

دائما ما يتحدث “البارزاني” باعتباره الممثل الوحيد للشعب الكردي في كردستان العراق وهذا بعدما نجح في الإستمرار كرئيس للإقليم منذ 2005 وحتى الآن وبعد تراجع قوة منافسه التقليدي “الاتحادالوطني الكردستاني”بزعامة”جلالطالباني” (وهو رئيس العراق السابق ويعاني من أزمة صحية طويلة ألمت به منذ عام 2014)، بيد أن القوى السياسية في آربيل بها قوى معارضة لا يستهان بها وهي معروفة باسم “حركة التغيير” التي يرأسها “نيشروان مصطفي” وهي تحتل المرتبة الثالثة في البرلمان المحلي وتتهم حكومة الإقليم بإستمرار بالتستر على عمليات فساد مالي وإداري كبيرة لاسيما فيما يتعلق بيع نفط الإقليم للخارج، وقد حركت تلك الحركة التظاهرات المعارضة التي نظمت بالإقليم في عامي (2011-2012)، كما تتهم حكومة آربيل بانها حكومة ديكتاتورية وتمنع أى مظاهر لحرية الرأى والتعبير بالداخل. هذا فيما يخص الخلافات السياسية التي ربما تعرقل إجراء الإستفتاء أو تؤثر سلبا على نتائجه بما يخالف هوى “البارزاني”.. والأهم منها هي الخلافات العسكرية الكردية التي برزت مؤخرًا خاصة في بلدة “سنجار” (وهي تابعة لحكومة بغداد يسكنها اكثرية ايزيدية وسيطرت عليها داعش في 2014)، حيث انها شهدت في منتصف مارس 2017  اشتباكات عنيفة بين فصيلين كرديين مسلحين هما “وحدات حماية سنجار” المدعومة من حزب العمال الكردستاني وإيران، والفصيل الثاني هو “قوات البيشمركة السورية”المدعومة من “الحزب الديمقراطي الكردستاني” بزعامة “مسعود بارزاني” وهو بدوره يرتبط بعلاقات وثيقة مع تركيا، ورغم أن الاشتباكات قد تم احتوائها سريعا الا انها كشفت عن حجم الخلافات السياسية والعسكرية بين الفصائل الكردية وكذلك أبرزت حجم التدخل الايراني والتركي في شؤون أكراد العراق. ويمكن وصف ما حدث بسنجار بأنه “حرب بالوكالة” بين إيران وتركيا أو “تصفية حسابات” بينهما فكلا منهما يدعم طرف كردي ضد أخر لتحقيق مصالحه.

2- الخلافات بين بغداد وآربيل:

لم يكن اعتراض الحكومة المركزية ببغداد على رفع علم كردستان على محافظة كركوك المتنازع عليها محض صدفة، بل أنه يمثل حجر الزاوية في الخلافات بين الطرفين وما أكثرها سياسيا وإقتصاديا وعسكريا، ولنتوقف قليلا عند كركوك ووضعها .. فمحافظة كركوك لها أهمية خاصة حيث أنها تملك 4% من إحتياطي النفط العالمي ولها أهمية تاريخية عند الأكراد بإعتبارها موطنًا لهم وهي من أهم المناطق المتنازع عليها بين بغداد وآربيل (وتلك المناطق هي 14 منطقة منها كركوك سنجار خانقين وغيرها حيث تدعي كلا من بغداد وآربيل أحقيتها في ضم تلك المناطق لها وقد اتفق الطرفين على اجراء استفتاء لتحديد مصير تلك المناطق وفق المادة 140 من الدستور العراقي الذي وضع عام 2005 بيد ان ذلك لم ينفذ حتى الآن)، ويعد الاتفاق على وضع تلك المناطق وادارتها سياسيا من اهم المشاكل السياسية بين بغداد وآربيل، واقتصاديا هناك اتهامات متبادلة بين الحكومتين العراقية والكردية حول نسب كلا منهم في الموازنة العامة وتسليم حصص النفط المتفق عليها وهي خلافات سنوية تتكرر عند اعتماد الموازنة العامة للعراق، وعلى المستوى العسكري ترفض آربيل حل قوات البيشمركة وتطالب بمنحها اعتمادا ماليا من الحكومة المركزية ببغداد التي ترفض ذلك بدورها وتطالب بدمج تلك القوات بالجيش العراقي. وهذا بالطبع غير الخلافات الثقافية والاجتماعية المتعلقة بتدريس اللغة الكردية والتحدث بها داخل البرلمان العراق. وهذه الخلافات لم يتم حلها بل تتفاقم باستمرار وتبرز علي السطح بين فينة واخرى.

وفي حال أصر “البارزاني” على إجراء الإستفتاء فإن إدارة العلاقات بين بغداد وآربيل والتخارج بينهما وإجراءات الإنفصال سينتج عنها المزيد من المشكلات التي سيكون من الصعب حلها،وكذلك يبقي تحدي إجرائي داخلي أمام “البارزاني” وهو كيف سيقوم بتنظيم إستفتاء في المناطق الكردية التي سيطر عليها تنظيم “داعش” والمناطق التي تخضع لسيطرة بغداد محل الخلاف بينهما.

كما أن استقلال كردستان العراق سيفتح باب تقسيم العراق لثلاث اقاليم سنية في الوسك وكردية بالشمال وشيعية في الجنوب وهو سيناريو طرح منذ الغزو الامريكي للعراق في 2003 بيد انه لم ينفذ حتى الان لاعتراض القوى الاقليمية والدولية على مبدأ تقسيم الدول لما سينتج عنه من دويلات صغيرة تتنازع فيما بينها، والمعضلة الثالثة التي ستنتج حال تم انفصال كردستان العراق هو انهاء مبدأ الدولة القومية الجامعة للاعراق والأديان، وبدأ مطالبات القوميات العراقية الاخرى بإنشاء اقاليم او دويلات خاصة بها مثل التركمان والايزيديين والصابئة المندائيين لماذا لا تشكل لهم دولا او دويلات خاصة بهم بعيدة عن الدولة القومية العراقية؟!

3- رفض الدول الإقليمية:

وتلك الدول المقصودة هنا هي تركيا وإيران، حيث أنهما الدولتين ذات الصلة بالقضية الكردية وترتبطان بعلاقات وثيقة ومتنوعة بآربيل وبغداد، وقد أبدت أنقرة وطهران من قبل وفي أكثر من مناسبة رفضهما لإستقلال كردستان العراق، لأن ذلك سيرفع منسقف مطالب الاكراد المتواجدين بالدولتين، فتركيا تخوض حربا ضروس مع حزب العمال الكردستاني منذ منتصف 2013 بعد انتهاء الهدنة المعلنة بينهما وتطالب آربيل باستمرار عدم توفير ملاذ آمن لعناصر الحزب في جبال قنديل ككردستان العراق، وهو الامر الذي احرج “البارزاني” حيث انه مطالب بالتحلل من الاعراف الكردية التي تفرض عليه دعم “أخوة الدم” وكل الكيانات الكردية بالمنطقة وكذلك الحفاظ على العلاقات الوثيقة مع أنقرة التي تعد منفذه الوحيد لبيع نفطه وتصدير منتجاته للعالم الخارجي فمحافظات الاقليم كلها حبيسة وعلاقاته ببغداد دائما متوترة ولذا هو في حاجة دائمة لميناء جيهان التركي، وإيران لا تسمح لاكراد المنطقة الغربية بها لرفع صوتهم او معرفة ما يحدث بتلك المناطق من كثرة الاضطهاد والتضييق الذي يتعرضون له مما دفع التقارير الدولية لحقوق الانسان لانتقاد الممارسات الغير إنسانية لطهران ضد الاهواز والاكراد التي تصدر بحقهم احكام الاعدام دون اى مبرر او سند قانوني. ولذا فليس من المتوقع ان توافق الدولتين على استقلال كردستان العراق، بل سيعملان على عرقلة إجراء الاستفتاء بكل الطرق الممكنة وما حدث بسنجار كان مجرد مقدمة لم يمكن ان تفعله انقرة وطهران باكراد العراق، ففي اى وقت سيشعلان حربا كردية – كردية لا تنته الا اذا اراد الفرس والاتراك، ليضيفا لحروب المنطقة البعد العرقي بعدما أشعلتها طهران بالنزاعات الطائفية.

وكذلك سترفض الدول العربية المؤثرة مثل مصر والمملكة العربية السعودية أى تقسيم للعراق ورغم أن تأثيرها في الساحة العراقية أقل من التأثير التركي والإيراني إلا أن هناك العديد من أوراق الضغط التي يمكن القيام بها ومنها أنها لن تعترف بالدولة الكردية الوليدة وربما يحذو حذوها العديد من الدول بالمنطقة منظمة التعاون الإسلامي التي تملك فيها الرياض والقاهرة تأثيرًا كبيرًا.

4-ضبابية الموقف الدولي:

الدول الكبرى ومنها الولايات المتحدة الامريكية وروسيا وألمانيا والمنظمات الدولية كالأمم المتحدة والأتحاد الأوروبي لم يعلنوا صراحة تأييدهم أو رفضهم لإستقلال إقليم كردستان العراق، بيد أنهم مؤخرًا أبدوا دعمهم الكامل للإقليم ومساندتهم له في مواجهة تنظيم “داعش”، لان القوات الكردية كانتبمثابة جيش بري على الارض لم يكلف القوى الغربية اى خسائر مادية مقارنة بحرب العراق 2003 او حرب الخليج الثانية (تحرير الكويت 1991) وحققت الهدف وهو هزيمة “داعش” في بعض المدن وانحسار قوته تمهيدا للقضاء عليه معركتي الموصل والرقة.وهناك نظريتان يمكن تفسير من خلالهما الموقف الدولي من إستقلال كردستان، الأولى وهي رغبة واشنطن أكبر داعم وحليف دولي لأربيل والتي تمدها بالأسلحة المتطورة لمحاربة تنظيم “داعش”، في استمرار تفعيل “نظرية الفوضى الخلاقة” فهي تعلم أن إستقلال كردستان لن يمر مرور الكرام بل سينتج عنه خلافات داخلية وإقليمية جمة بل وكردية أيضا وربما تتطور لحرب أهلية كردية بين الرافضين والمؤيديين للإستقلال وبين الفصائل الكردية المسلحة التي ترغب في الحصول علي المزيد من المكاسب بعد خوضها المعارك ضد “داعش”، وهذه الفوضى الناتجة ربما تخلق وضعا اخر مستقر ترغبه واشنطن، والنظرية الثانية هي “الاحتواء”وهي تعكس الرغبة الأوروبية في إحتواء مشكلات الشرق الأوسط المتفاقمة لاسيما وأن دول الإتحاد الأوروبي أصبحت تتأثر بها كثيرًا وتفاقمت بها مشكلات الإرهاب والهجرة غير الشرعية. وبناء عليه تعمل تلك النظرية على منح آربيل المزيد من الاستقلال عن بغداد  في كل شىء ماعدا الإنفصال النهائي وإعلان الدولة. فأى النظريتينيمكن ان يتم تطبيقهما واعتمادهما في التعامل مع انفصال كردستان العراق.

ومما سبق، نؤكد أن قرار إنفصال كردستان العراق لن ينهي المشكلات بين بغداد وآربيل بل أنه سيضاعفها ويهدد الدويلة الوليدة نفسها، هل ستتمكن تلك الدويلة من الاستمرار والبقاء وتحظي باعتراف دولي أم ستكرر تجربة إنفصال جنوب السودان التي مازالت تمر بحرب أهلية وحالة من عدم الاستقرار منذ استقلالها في 2011 بل أنها شهدت مجاعة وأزمة غذائية رغم ثروتها النفطية، استقلال كردستان العراق ليس قرارًا كرديًا أو عراقيًا أو حتى عربيًا بل هو قرار دولي سيخضع للعديد من الصفقات والمساومات السياسية بين عدة قوى إقليمية كتركيا وايران ودولية ولذا فلن يكون بالسهولة التي يتصورها “البارزاني”.وحال تم تنفيذ سيناريو الإنفصال والتقسيم بالعراق، ربمايتم تعميمه على كل دول الشرق الأوسط لاسيما تلك التي تعاني من ازمات وهي دول الربيع العربي فهل تحتمل منطقة الشرق الأوسط مزيدا من التأزم والتعقيد؟.

 *باحثة دكتوراة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، متخصصة بالعلاقات الدولية والشأن التركي.

  • قراءة 331 مرات
الدخول للتعليق