الحركة الإسلامية في العراق.. جيل المحنة وعصر الحيرة والتيه

الحركة الإسلامية في العراق.. جيل المحنة وعصر الحيرة والتيه

محمد النعمه - باحث في الدراسات الشرق الأوسطية

شهد القرن الماضي، منذ أوائله، صعود النجم الإسلامي في الفكر والعلم والأصول والفقه والتأصيل والدعوة والبناء الحركي والسياسي، صعوداً رافق الحركة الإسلامية بأغلب توجهاتها المذهبية ومدارسها الفكرية.

هذا الصعود تمثل بحركة دعوية شغلت حيزاً كبيراً في دائرة المساجد والمدارس والجامعات والمنتديات والمقاهي والحياة العامة في الحافلات والطرقات والبيوت والأزقة والحواري، لمس أثرها البعيد والقريب على حد سواء. لقد شكل صعود الحركة الإسلامية هاجس قلق لبعض الحكومات العربية وأجهزتها الأمنية، إلا أن كل ذلك ما كان يزيد الحركة الإسلامية إلا قوة وتمكيناً وتوسعاً ونفوذاً، وقبولاً وحظوة لدى نخب الأمة وجماهيرها، وكان للعراق نصيب كبير من صعود للحركة، حتى إذا ما جاء المحتل الأمريكي سنة 2003م، وعلى ظهر دبابته ساسة العراق الجديد، تحولت الحركة الإسلامية من حركة دعوية مجتمعية مربية ترتقي بالفرد والنخبة والجماهير بالعقيدة والإيمان والفكر والسلوك؛ من حركة معطاءة فاعلة مؤثرة؛ إلى حركة- إن صح التعبير- "رجل الإطفاء" الذي يتمثل جل سعيه بمسك خرطوم المياه لإطفاء الحرائق، فإذا ما أطفئ الحريق انتهى همه، وأنجز مهمته، وانتظر حريقاً آخر ليقوم بالدور نفسه، وليس له علاقة بترميم ما أحدثه الحريق من أضرار، فهذا ليس من صلب عمله.

هكذا أصبح حال الحركة الإسلامية في العراق؛ حركة رجل الإطفاء؛ فبسبب الوجود الأمريكي استهدفت رموز الحركة الإسلامية من الأمريكان والمليشيات الطائفية والقاعدة آنذاك، ثم استمر استهدافهم، بل واستهداف أغلب أصحاب الهم الدعوي؛ بالقتل أو الاختطاف أو الاعتقال أو التشريد أو التهجير القسري.

وفي ضوء هذا الظرف العصيب أخذت الحركة على عاتقها مهمة "رجل الإطفاء"، فسارعت- في محاولات منها- إلى حفظ نفوس أهل السنة أو مساعدة معتقليهم أو السعي في فك رقاب مخطوفيهم أو رعاية أرملهم وأيتامهم، وهذا أحسن ما يقال، وهكذا أخذت ساحة الحركة الإسلامية الدعوية تنحسر وتنحسر وتتقلص لصالح "رجل الإطفاء"، الذي أخذ هو أيضاً بالانحسار، وذلك لطول عهد الحرائق وعدم انقطاعها، وتفاقمها في بعض الأوقات، فكلما أطفأ حريقاً أو سعى في ذلك شب الحريق في مكان آخر، وهنا تشتتت جهد الحركة الإسلامية، وتبعثرت الرؤى، وضاعت البوصلة، وإلى اليوم وكلما مرت الأيام قوي الشعور بالسلبية والإحباط وازدادت الحيرة وساد شعور التيه.

مر على هذا قرابة ثلاث عشرة سنة، وهذا جعل جيل الحركة الإسلامية الأوائل يتجاوز مرحلة الشباب ويدخل في مرحلة الشيخوخة، وبالنتيجة كان لهذا ضريبته، فقد وجدنا أن جيل الحركة الإسلامية قد انقسم إلى أصناف شتى، منها:

1- التراجع؛ شهدت الحركة الإسلامية في العراق من جراء انعدام الأمن، وانتشار الفوضى والقتل على الهوية، ولسنين طويلة، تراجعاً في الميدان الدعوي في حقوله التربوية والتعليمية كافة، وكان لهذا انعكاسه على شريحة واسعة من العلماء والمشايخ والأساتذة التربويين والتعليميين وعموم المساجد؛ التي كانت الحاضن الرئيسي للحركة، فقد ساد مشهد الانكماش على الذات، والتقوقع، والسعي للحفاظ على النفس من خلال تقليص الحركة والنشاط الذي كان يشهد لهم به، فعطلت دورات القرآن الكريم، وحلقات العلم الشرعي، والزيارات الدعوية، بشكل كبير ملحوظ.

2- التخاذل: مشهد التخاذل كان من أبرز المشاهد التي شكلت الانعكاس السلبي على الحركة الإسلامية؛ لأنه حظي بالأضواء الإعلامية والسياسية، فقد رأى كل من تابع المشهد العراقي تخاذل فئة ليست بالقليلة عن دورها في نصرة القضية السنية على المستوى السياسي لكثير ممن انخرط في العمل السياسي، وكان لهذا أثره في تراجع شريحة كبيرة ارتضت لنفسها القعود والاعتزال.

3- الإحباط واليأس والحيرة: وقد أصابت الشريحة الكبرى، وهم الطاقات والكفاءات الذين بذلوا الغالي والنفيس، وقدموا التضحيات تلو التضحيات، إلا أنه كلما مر الزمان يجدون أن الخرق يتسع والمصيبة تعظم، وأن الحمل أكبر من الطاقة والاستطاعة، وعدم القدرة على تقديم شيء يسهم بالحفاظ على أهل السنة في دينهم وأرواحهم وأمنهم وديارهم وأموالهم، وهذا أدى إلى الشعور بالعجز التام والإحباط واليأس والقعود والتيه، فلا تكاد تجد أحداً يمكنه أن يصف لك مخرجاً من الأزمة القائمة إلا ما شاء الله.

4- الثبات مع الارتجال: وهم شريحة كبيرة لم يعرف عنهم إلا المواقف الثابتة والجيدة، وهم دائمو البحث عن الحلول وسبل النجاة، إلا أنهم غير استراتيجيين في رؤيتهم ولا تصوراتهم، مما جعلهم يتقلبون في مواقفهم ويتنوعون في خطابهم، وكان لهذا دور في إرباك المشهد السني وتشتته.

5- الثبات مع وضوح التصور: وهم الشريحة الأكثر قلة وندرة، والأقل تأثيراً واتباعاً، وهم قائمون عاملون، يواصلون النهار بالليل؛ عطاء وبذلاً وتضحية، إلا أن جهدهم في الغالب غير معلوم ولا منظور.

وأمام هذا التصور لمشهد الحركة الإسلامية في العراق، وتقادم السنين بها، عليها أن تنقطع قليلاً، وتتوقف لتعيد ترتيب وأوراقها، وتعبئة صفوفها، لتعيد الانطلاقة التي تحسنها والحاجة المجتمعية إليها قائمة اليوم؛ التربية والتعليم وبث الإيمان في القلوب والنفوس، والحفاظ على الهوية، وإنضاج الفكر، والارتقاء بالمجتمع بقيم غابت بسبب الحروب والصراعات، ثم عليها أن تتوزع في أجنحة ثلاثة؛ الجناح الدعوي التربوي العلمي التنموي، والجناح السياسي، والجناح الاقتصادي والإغاثي، دون أن يطغى جناح على جناح وملف على آخر، ولكل جناح رؤية واضحة واستراتيجية محددة وأهداف معلومة تكون أنشودة الصف وترنيمة الصباح، ولا بد من التكامل مع الآخرين؛ من أهل السنة قبل غيرهم، وإلا فالحال سيبقى على ما هو عليه، والأزمة ستولد أزمة، والمحنة لا يمكن الخروج منها بتكرار المجرب، وكما يقال: "لا يجرب المجرب إلا من عقله مخرب".

إن أبرز ما يقال عن انحسار الحركة الإسلامية في العراق أنها قد انقطعت عن الحراك الدعوي التربوي مع جيلين، فلم يتسلم منها راية الدعوة إلى الآن جيل الشباب، وكل المحاولات القائمة تكمن في تبادل الراية بين نفس الجيل القديم.

ولعل الله ييسر أن نقف عند جيلي الشباب والفتيان اللذين انقطعت الحركة الإسلامية عنهما بشكل كبير في مقالتين لاحقتين- إن شاء الله- لنعرف حجم الخسارة الحاصلة فيهم والضياع إن لم يتم التدارك.

  • قراءة 304 مرات
الدخول للتعليق