العراق المنهوب وجاهلية الجهلاء

العراق المنهوب وجاهلية الجهلاء

حميد سعيد 

منذ سنوات، قرأت في كتاب مترجم إلى العربية أن هيغل وجه لوماً إلى الذين كانوا يسكنون بالقرب من مدينة بابل التاريخية، لأنهم شاركوا في تهديم قصورها ومعابدها والكثير من شواخصها، وبنوا بيوتهم بالطابوق البابلي، وهو من الطين المشوي الذي قاوم الزمن والطبيعة، وما بقي منه ظلَّ حتى أيامنا هذه كأنه خرج تواً من معامل صناعة الطابوق، التي عرفتها الحضارة الرافدينية منذ أكثر من سبعة آلاف عام.

ولأنني ولدت وعشت في مدينة الحلة، فقد شاهدت في طفولتي وصباي، الكثير من البيوت أو البعض منها، قد بنيت بالطابوق البابلي المنقول من مدينة بابل التاريخية، حيث يمكن تمييزه بما عليه من أختام وكتابات بالخط المسماري.

لقد شغلتني المعلومة التي نسبت إلى هيغل، من دون أن أستطيع نفيها أو إثباتها، وكان من الواضح أن المقصود بها من يسكن مدينة الحلة، فهي أكبر الحواضر القريبة من بابل، والأرض التي شيدت عليها كانت بعض أرض بابل القديمة.

وبعد متابعات، تأكد لي بأن إحدى الأسر اليهودية في مدينة الحلة كانت تعمل في تجارة نقل الطابوق من بابل التاريخية إلى مدينة الحلة. ومن المعروف أن اليهود كانوا يقيمون في الحلة منذ قرون، وأن الحي اليهودي فيها كان واسعاً ويتوسط المدينة.

ولا أستطيع الجزم إن كان العمل في الطابوق مجرد نشاط تجاري أم أنه كان مصمماً لاستهداف بابل وتهديمها، ثم اقترن التنقيب الأوروبي باستمرار التهديم وسرقة الآثار واللقى والشواخص في آن.

ويذكر أحد كبار المنقبين الآثاريين البريطانيين أن طائرات النقل الحربية البريطانية كانت تقوم برحلات دورية لتنقل إلى العاصمة البريطانية ما كان يعثر عليه في بابل وغيرها من المواقع الأثرية العراقية القديمة من تماثيل ولقى ومصوغات وأجزاء من قصور ومعابد، وبخاصة أبوابها وواجهاتها.

واستمر هذا الحال، حتى في ظل الحكم الوطني، حيث ارتبط لصوص الآثار المحليون بمؤسسات أجنبية تمولهم وتحميهم، وتعمل على نقل ما كانوا يسرقون من آثار ولقى إلى أسواق الآثار العالمية للمتاجرة بها.

وليس من قبيل المصادفة أو من دون تخطيط أن أخطر عمليات السرقة التي اقترنت بالاحتلال الأميركي هي التي استهدفت المتحف العراقي، ومن ثم اختيار مدينة بابل التاريخية موقعاً أساسياً من المواقع التي شغلتها القطعات العسكرية الأميركية، حيث عملت الآلة العسكرية على المزيد من التخريب والتهديم.

وقد حدثني أحد أبناء القرى المحيطة ببابل، بأن القوات الأميركية كانت تغض الطرف عن عمليات النهب والتخريب، وقد شاهد أجانب يتعاملون مع أولئك اللصوص.

وفي ظل الفوضى التي تعم العراق الآن على جميع الصعد والمجالات، حيث تغيب السلطة الحريصة عن معظم مناحي الحياة، ويصبح التاريخ الوطني بكل شواخصه ومعطياته خارج اهتمام هذه السلطة، وأكثر ما تستهين به إداراتها، حتى أصبح لصوص الآثار بعيدين عن أي متابعة أو رقابة أو عقاب، فإن استهداف بابل وكل شواخص التاريخ العراقي بجميع مراحله، صار أكثر أذى وأعظم خطراً.

وإذا كان الملك الفارسي قورش أول من أقدم على تهديم بابل في القرن الثالث قبل الميلاد فإن الذين مازالوا يواصلون مشروعه التوسعي يواصلون استهداف بابل، أما المناطق التي يحكم بها داعش، فما تعرضت له الشواخص التاريخية فيها يدمي القلوب، وما كان هذا “الداعش” إلا بعض نتاج الاحتلال وما جاء به من حكم جاهلية الجهلاء.

كاتب من العراق

  • قراءة 302 مرات
الدخول للتعليق