الذباب يحتلُّ بغداد. يعلن ذلك عبر طنينٍ عالٍ يصمُّ الآذان منطلقاً متوثباً من برك الماء الآسنة وأكوام النفايات التي احتلت مساحات هائلة من مناطق المدينة، الفقيرة منها وحتى الفخمة. سرعان ما يجرّ الذباب البشر من الأسرّة إلى الشوارع ويُمثِّل بالأجساد، يسحبنا إلى الأعلى ويسقطنا إلى الأرض من علوٍ شاهق. من دون أي مقاومة، يُعلن سيطرته على المدينة المنكوبة التي تتصارع فيها سلطات الحكومة والميليشيات والعشائر. ليس كابوساً كل هذا.. منذ عدة أيام والذباب ينتشر انتشارا عجيبا في عاصمة العراق، تاركاً الجميع في حيرة عن أسباب غزوه وتكاثره بهذه السرعة الخارقة، منقضّاً على أماكن العمل والمطاعم والمقاهي والمنازل.. كيف السبيل إلى الخلاص منه؟
لا أجوبة لدى البغادة سوى شراء المزيد من العُلب القاتلة للحشرات والتي لا تثبت فاعليتها في الخلاص منه، وانتظار أن تعيد لهم الطبيعة مدينتهم من دون أن يخطر بالبال مساءلة حكومتهم، إذ إن الذباب ينمو ويكبر ويفرّخ، وليست الحكومة من حرّضته على فعلته. قد يُثير السخرية من يحاول لوم الحكومة على انتشار هذه الحشرة انتشارا مذهلا في جميع المناطق. قد يُلام لأن المجتمع يُحاول رمي جميع أزماته على "الدولة" بينما عليه أن يبدأ بنفسه.. أن ينظّف أمام منزله، وأن يرمي النفايات في الأماكن المحدّدة لها.
لكن واقع الأمر يشير إلى أن الحكومة سببٌ في انتشار الذباب، كما في تغوّل الكوابيس في الحياة والنوم، وجعلها عاديّة من عاديّات الرعب الذي يعيشه العراقي كل يوم في بلاده. حيث اتضح أن "إصلاحات" رئيس مجلس الوزراء حيدر العبادي سبب في انتشار الذباب، لأنّها شملت دمج وزارة البيئة بوزارة الصحة، الأمر الذي دفع الشركات المتعاقدة في مجال رشّ الأشجار والأراضي بالمبيدات الكيماوية، إلى الانسحاب من عملها وإلغاء العقود المبرمة، بالترافق مع تخفيض بعض العقود وإلغاء أخرى قامت بها الوزارة أساساً بسبب شحّ المال الذي ضرب خزينة الدولة. بهذه البساطة!
وقد انتشر الذباب عقب الأمطار التي خلّفت بركاً آسنة في جميع مناطق المدينة بسبب خراب بنيتها التحتية التي أُهدرت عليها مليارات الدولارات في عقود مع شركات غامضة وفاسدة، وترافق أيضاً مع تراكم النفايات في المناطق السكنيّة والتجارية. وفي هذا التوقيت من العام صارت بغداد بيئة مثالية لتكاثر الذباب الذي تضع أنثاه نحو 100 بيضة، يفقس أغلبها طوال عمرها الذي يمتد إلى نحو 20 يوماً فقط. ينمو الذباب في بيئة رطبة ودافئة وفي أماكن فيها برك ماء ونفايات. بغداد كنز حقيقي للذباب، عاصمته وأرضه المُشتهاة، ولذا يبدو كابوسي واقعياً.
وكما هي عادة المصائب، فالذباب الذي يُعدُّ من أخطر مصادر نقل الأمراض، لم يأت كمصيبة منفردة، إذ ترافق مع انتشار مرض الكوليرا الذي هدّد جميع المحافظات بلا استثناء. سجّل العراق خلال أسابيع شهر تشرين الأوّل / أكتوبر نحو مئة حالة إصابة بالكوليرا يومياً، وعاد الرقم لينخفض خلال الشهر الجاري إلى نحو 40 حالة يومياً، بينما يُتوقّع أن يرتفع الرقم مجدداً مع موسم الزيارة الأربعينية للإمام الحسين في محافظة كربلاء التي تشهد اكتظاظاً كبيراً.
لكن ما سبب انتشار الكوليرا أساساً؟ مردّه دائرة الفساد ذاتها، فمنظومات الصرف الصحي مُتهالكة والحكومة لم تتعاقد على شراء مادتي الكلور و "الشب" من أجل تنقية المياه الصالحة للشرب الذاهبة إلى المناطق السكنية، وهو الأمر الذي سبّب تلوّثاً وأدى إلى اتساع مرض الكوليرا في العراق وهدّد سوريا والأردن ودول الخليج بالوصول إليها.
الغريب في هذا كلّه، هو أن استهتار الحكومة بالمواطنين لم يعد يقتصر على الفقراء الذين يمثّلون أغلبيّة صامتة ويُسيطَر عليهم من خلال الخطاب الديني المليء بالصبر، بل أخذ يتسع ليشمل الجميع، في المناطق الفخمة، وفي العاصمة وباقي المحافظات. هذا التحقير يسري على الكلّ. الجميع ضحايا دائرة الفساد والظلم التي تتسع لتشمل حيوات الناس. بغداد سبب حتمي للموت.. بالرصاص أو المرض أو الذباب.