مقهى بغداد

مقهى بغداد

كما كان متوقعاً، أُسدِلت الحُجُب وانفضّ السمّار بعدما أكلوا وشربوا حدّ التخمة، وتمنّوا لبعضهم البعض أن يلتقوا في "حوار" آخر حافل هو أيضاً بمعسول الكلام وبأطايب الطعام.

في الوقت المحدّد بالضبط انتهت أعمال مؤتمر "حوار بغداد" الذي حفل كذلك بـ "الكلمنجية" المستوردين من خارج الحدود، فضلاً عن "كلمنجية" الداخل الذين أتقنوا خطاب البلاغة والنحو والصرف على مدى ثلاث عشرة سنة، بيد أنّ خبرتهم الطويلة لم تسعفهم في تقديم المفيد.

السادة المتحاورون لم يطرحوا علينا في نهاية مؤتمرهم، مثلاً، أيّ فكرة رصينة تنفع في خلاصنا من وباء الفساد الإداري والمالي. هم لم يبيّنوا لنا كيف السبيل إلى الإصلاح الموعود منذ سنوات والتحرّر من نظام المحاصصة اللعين الذي توافقت عليه الطبقة السياسية الحاكمة وتتمسك به بالاظافر والأنياب، وجعلت منه بديلاً عن دستور 2005 الذي تحمّس الشعب العراقي للاستفتاء عليه متحدّياً الإرهابيين بمفخخاتهم ورصاصهم.

ولم يتفضّل علينا المتحاورون في الملتقى البغدادي بما ينوّرنا ويكشف لنا أسرار وألغاز اختفاء ما يزيد على 600 مليار دولار من الموازنات السنوية للدولة، ما جعل هذه الدولة وخدماتها تتراجع إلى الوضع الذي كانت عليه قبل قرن كامل من الزمن، يوم كانت هذه الدولة تحت ربقة السلطنة العثمانية ثم مسرحاً لعمليات الحرب العالمية الأولى (عضوة مجلس النواب نجيبة نجيب أعلنت في يوم انتهاء المؤتمر أن 35 بالمئة من العراقيين يعيشون الآن تحت خط الفقر، وهي أعلى نسبة منذ مئة سنة، وعشية المؤتمر كانت وزارة التخطيط قد قدّرت النسبة بـ 30 بالمئة). كما لم ينوّرنا المتحاورون بخفايا سقوط الموصل وثلث مساحة البلاد في أيدي داعش، أو بالأحرى تسليمها إليه يداً بيد في غضون يومين وليلتين، بما يتعيّن فعله كيما لا يدهمنا بعد حين تنظيم إرهابي ثالث بعد القاعدة وداعش.

متحاورو الملتقى لم يقترحوا علينا السبيل القويم لتحقيق المصالحة التي يلهج بها الجميع (أقصد منظّمي المؤتمر وعرّابيه ومتصدّري واجهاته وغيرهم) فيما هم لا يريدونها في الواقع، ولم يفيدونا بخريطة طريق لوضع نهاية حاسمة لأعمال الإرهاب والعنف التي يقف الكثير منهم وراءها ويُحرّضون عليها بخطاب الكراهية الذي يُتقنون صياغته كما لا يتقنون أي شيء آخر ما خلا الكذب على الناس وسرقة أموالهم وأحلامهم.

الشيء الوحيد الذي فهمناه في نهاية أعمال المؤتمر، أنّ هذا الملتقى سيُصبح عادة سنويّة، ربما تيمّناً بما كانت تفعله العرب في الماضي، أعني سوق عكاظ وسوق مجنة وسوق ذي المجاز وسواها!

باختصار فإن كلّ ما خرج به مؤتمر "حوار بغداد" هو إضافة مقهى جديد إلى مقاهي بغداد، التقليديّة منها الموشكة على الانقراض مثل الكثير من معالم بغداد الجميلة أو الجديدة (الكافيهات)، لكنّه سيكون مقهىً شديد الخصوصية، ذلك أنّ روّاده هم من مُحدثي النعمة الماليّة والسياسيّة وحواريّيهم.

* نقلا عن "المدى"

  • قراءة 354 مرات
الدخول للتعليق