العراق.. اعترافات بالفشل ثم ماذا؟

العراق.. اعترافات بالفشل ثم ماذا؟
 
 
 
 
 
بقلم: محمد عاكف جمال
 
 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

في الكلمة التي ألقاها في ملتقى الشرق الأوسط الثالث للدراسات في السابع والعشرين من أكتوبر المنصرم، والذي عقد في أربيل، أدلى رئيس مجلس النواب العراقي، سليم الجبوري، بتصريح مفاده «الطبقة السياسية الحالية توشك على إعلان عجزها في إدارة شؤون البلاد لما يقرب من عقد ونصف بعد التغيير، والواقع يتطلب جيلاً جديداً من الأحزاب والشخصيات السياسية قادرة على إخراج العراق من أزمته».

الجبوري لم يأتِ بالجديد، فهو ليس المسؤول العراقي الأول الذي يعترف بالعجز والفشل، فقد سبق لرئيس الوزراء السابق نوري المالكي، أن صرح في لقاء تلفزيوني في الثالث من أبريل 2015، بأنه وجميع القادة السياسيين فشلوا «إن هذه الطبقة السياسية ينبغي ألا يكون لها دور في رسم خريطة العملية السياسية في العراق، وينبغي أن يبرز جيل جديد يأخذ بنظر الاعتبار الأخطاء التي ارتكبت».

أما رئيس الوزراء الأسبق أياد علاوي، فذهب في السابع من أبريل 2015، إلى «تحميل جميع السياسيين (وبضمنهم هو شخصياً) مسؤولية الإخفاق والفشل في العملية السياسية، وكذلك جميع المشاكل التي وقعت في العراق» مضيفاً أن «المناخ السياسي في العراق كان حاضناً للإرهاب وليس طارداً له».

وفي مناسبات عديدة أخرى، لم يتردد آخرون من سياسيي المنطقة الخضراء ونواباً في البرلمان عن الإدلاء باعترافات مشابهة من حيث المضمون، ولكن ما الذي ترتب على كل هذه الشفافية؟ الجواب عن ذلك بكل بساطة، هو «لا شيء»، فاللاعبون الكبار ما زالوا كباراً، والكل متمسك بموقعه، رغم الفشل وتراجع برامج الإصلاح المزعومة، ووصولها إلى طرق مسدود، لأن هناك غياباً أو تغييباً للإرادة الشعبية الرافضة والقادرة على التغيير.

إن إشغال أي موقع في مؤسسات الدولة له استحقاقاته ومسؤولياته التي تزداد أهمية وخطورة كلما تقدم الموقع في السلم الوظيفي، فما بالك بالمسؤوليات القيادية؟.

ففي الدول الديمقراطية، تعتبر استقالة مسؤول كبير، اعترافاً بخطأ ارتكبه وتسبب بإلحاق بعض الضرر بالصالح العام، قراراً لا خيار غيره، فهو من غير شك تعبير عن نبل وشجاعة وتقدير لحجم المسؤولية الأخلاقية التي يتحملها هذا المسؤول إزاء المجتمع. فالاستقالة ممارسة عادية وشائعة في المجتمعات الديمقراطية، ونادرة أو منعدمة في المجتمعات غير الديمقراطية، وهي قد تحدث أحياناً حفظاً لماء الوجه تحت التهديد بالإقالة.

القيادات العراقية رغم اعترافها بالفشل، لم تعتذر للشعب، ولم تفكر بالابتعاد عن المشهد السياسي، فهي مصرة على التمسك بمواقعها، فها نحن نشهد عودة علاوي والمالكي والنجيفي لإشغال منصابهم نواباً لرئيس الجمهورية مجدداً، بعد قرار المحكمة الاتحادية ببطلان قرار إقالتهم.

وها هو الجبوري باقٍ على رأس منصبه، على الرغم من تعرضه لأكثر من هزة سياسية، نالت الكثير من هيبته، فالزهد بالمنصب الذي سبق أن أبداه هذا السياسي أو ذاك، ليس حقيقياً.

المالكي الذي لا يزال اللاعب الأكبر في العملية السياسية، رغم اعترافه الصريح بالفشل، لم يتخلَ عن نهجه كي يؤخذ هذا الاعتراف على محمل الجد من سياسي قيادي ينتقد نفسه، ليطرح رؤية جديدة، بل يتمادى فيه، ويذهب بعيداً، ليقوم بالدعوة لتجنيد شباب العراق للقتال في حلب والرقة واليمن، في الكلمة التي ألقاها في مؤتمر المجلس الأعلى للصحوة الإسلامية، الذي عقد في بغداد في الثاني والعشرين من أكتوبر المنصرم، وهي دعوة تدفع الوضع في العراق نحو المزيد من التأزم مع محيطه العربي بشكل غير مبرر.

كما تدفع المنطقة كلها نحو حرب لن تبقي ولن تذر. العراق بعد أربعة عقود من سلسلة حروب وحصار واقتتال، بحاجة إلى بروز قيادات تطرح الرؤى التي تبعث الآمال في بناء مستقبل ينبض بالحياة ومباهجها.

وليس عكس ذلك، فهو بأمسّ الحاجة لسواعد شبابه لإعادة بناء الوطن المخرب، لا لجثامينهم القادمة من ساحات الموت في بلدان أخرى. والحقيقة أن فشل النخب السياسية العراقية، يتجاوز فشل البرامج التي وضعت لتحقيق رؤاها، إلى فشل النهج الذي بنيت عليه العملية السياسية التي تقود العراق حتى الآن نحو مصير مجهول. فليس من مصلحة العراق، بحكم طبيعة تركيبته السكانية.

وهو بهذه الدرجة من الضعف، سياسياً واقتصادياً ومجتمعياً، أن ينخرط في سياسات المحاور والاستقطاب في المنطقة، ويصبح تابعاً لإحداها، فهو في كل تأريخه لم يكن كذلك. فتبعات هذا الانخراط تنعكس بشكل خطير على وحدة المجتمع العراقي، وتقف حائلاً وعائقاً أمام الجهود المبذولة للمصالحة الوطنية، كما أنها تسمح بالتدخلات الخارجية في شؤونه، وتبقي مناخه العام جاذباً للإرهاب، لا طارداً له.

وهناك مخاوف حقيقية من جراء ذلك، أن تتحول معركة تلعفر إلى صراع دموي بين قوتين إقليميتين، يصبح العراق بأبنائه وثرواته وقوداً رخيصاً لها.

  • قراءة 444 مرات
الدخول للتعليق