أعاد حكم الإعدام الصادر بحق الداعية السني "شهرام أحمدي"، قضية السنة في إيران إلى الواجهة، حيث من المتوقع تنفيذ الحكم ضده في أي لحظة حسب مصادر حقوقية إيرانية ودولية.

وسلطت قضية أحمدي الضوء من جديد، على الظروف التي يعيشها السنة في إيران الذين ينتمي أغلبهم إلى شعوب غير فارسية رغم وجود أقلية فارسية سنية في المحافظات الجنوبية في إيران، وما يميز هذه الشعوب عن الشعب الفارسي، ليس المذهب فحسب بل العامل القومي أيضا وخير مثال على ذلك الكورد والتوركمان وعرب الساحل والبلوش.

وفي الوقت الذي يتهم نشطاء السنة السلطات في إيران بممارسة ما يصفونه بالاضطهاد والتمييز المزدوج، المذهبي والقومي، تؤكد الجمهورية الإسلامية الإيرانية في خطابها الرسمي ووسائل إعلامها بأنها لا تميز بين المواطنين بسبب العرق واللون واللغة والمذهب.

ويشكو السنة في إيران عموما، مما يسمونه "التمييز الطائفي" ويتهمون السلطات بإقصائهم عن الحياة السياسية والحؤول دون مشاركتهم في إدارة شؤون البلد ومنعهم من شعائرهم وواجباتهم الدينية، ويضربون مثلا للممارسات التمييزية، منعهم من بناء مسجد لهم في العاصمة الإيرانية حيث قامت بلدية طهران وبدعم من قوات الأمن بهدم المصلى الوحيد لأهل السنة في طهران، في يوليو الماضي، الأمر الذي أثار ردود فعل غاضبة بين أوساط السنة.

الداعية السني شهرام أحمدي

وكان الزعيم السني الشيخ عبدالحميد اسماعيل زهي، وهو إمام جمعة السنة في مدينة زاهدان، عاصمة بلوشستان إيران، قد احتج في رسالة إلى المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي، على هدم مصلى أهل السنة في طهران من قبل بلدية العاصمة.

وقال زهي: "في ظروف يعج فيها العالم بالأفكار المتطرفة والتكفيرية والتفرقة والعنف والعالم الإسلامي بأمس الحاجة أكثر من أي وقت مضى للهدوء وسعة الصدر، لم يكن يتوقع السنة في إيران أن يتم هدم المصلى الوحيد لهم في طهران. وخطوة كهذه تفتح مجالا لأعداء الإسلام ودعاة العنف والتطرف كي يبثوا الفرقة بين المسلمين وينشروا روح اليأس بين أطياف السنة".

وخلال زيارة الرئيس الإيراني، حسن روحاني، الأخيرة لمحافظة كردستان الإيرانية ذات الأغلبية السنية في شهر أغسطس الماضي، أثار أحد الصحافيين سؤالا حول أسباب خلو مجلس الوزراء الإيراني من أي وزير سني، وعدم وجود محافظ سني واحد في المحافظات السنية، مما أثار غضب الرئيس، فرد على الصحافي بلهجة منفعلة، مؤكدا أن حكومته لا تفرق بين الشيعة والسنة في إيران.

التوزيع السكاني للسنة بإيران

ويشكل السنة 20% إلى 25% من السكان في إيران، أي 15 مليون إلى 17 مليون نسمة تقريبا، وذلك وفق إحصائيات غير رسمية، حيث تمتنع السلطات الايرانية عن نشر أية أرقام تظهر التنوع المذهبي والعرقي في البلاد، ولا تدرج المذهب والقومية في الإحصائيات العامة.

وينتشر السنة كأغلبية في محافظات كردستان (غرب) وبلوشستان (جنوب شرق) وجولستان (شمال شرق) والمحافظات الساحلية المطلة على الخليج العربي (عرب الساحل)، بينما يتواجدون كأقلية في محافظات أذربيجان الغربية (شمال غرب) وعربستان (الأهواز - في الجنوب الغربي) وخراسان (شمال شرق) وجيلان (منطقة طالش الشمالية).

الدستور الإيراني والسنة

ويقول النشطاء إن التمييز ضد أهل السنة يبدأ من الدستور الإيراني نفسه، حيث يمنعون فعلا من تبوأ عدة مناصب حكومية عليا وذلك من خلال تخصيصها للشيعة الإمامية فقط، وإن نص المادة 107 من الدستور تمنع تلقائيا أي شخص من الديانات والمذاهب الأخرى بما فيهم السنة من الترشيح لمنصب المرشد الأعلى أو حتى عضوية مجلس خبراء القيادة في إيران. كما تمنع المادة 61 المواطن السني من تبوأ منصب في القضاء.

وتنص الفقرة 5 من المادة 115 على أن يكون رئيس الجمهورية مؤمنا بالمذهب الرسمي (الشيعي) للبلاد والمادة 121 من الدستور المتعلقة بأداء القسم تصفه بحامي المذهب الرسمي (التشيع).

وتسلب المادتان 12 و13 من الدستور حرية العبادة الدينية وإقامة الشعائر للمذاهب والأديان غير الشيعية أوالدعوة بالطرق السلمية، مما أدى ذلك إلى منع إصدار أي ترخيص لبناء مساجد لأهل السنة في العاصمة طهران أو في سائر المدن الإيرانية الشيعية.

وتنص المادة الثانية، على أن نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية قائم على الإيمان بالإمامة والقيادة المستمرة والاجتهاد المستمر من قبل الفقهاء جامعي الشرائط، والمقصود بالاجتهاد هنا اجتهاد علماء الشيعة دون غيرهم، مما يحول دون مساهمة أبناء سائر المذاهب في إدارة البلاد.

خوف النظام من تكاثر السنة

وكان عدد من مسؤولي النظام والمراجع الشيعية عبروا مرارا عن قلقهم إزاء انخفاض عدد الشيعة مقابل الارتفاع المضطرد لعدد السنة في إيران فحسب العضو البارز في "الهيئة العلمية لجامعة المصطفى العالمية" الدكتور ناصر رفيعي، وأن عدد السنة في إيران يرتفع بسرعة، وفي المقابل نسبة عدد الشيعة تنخفض، مشيراً إلى أن عدد تلاميذ المرحلة الابتدائية من أبناء السنة يعادل 50% من كل التلاميذ في إيران، ما يعني أن عددهم أصبح يعادل الشيعة".

وذكرت وكالة مهر للأنباء نقلا عن رفيعي: "في إحدى المدن بمحافظة أذربيجان الغربية يفوق عدد السنة عدد الشيعة، حيث أصبحت نسبة السنة 70%، والشيعة 30%، وهذا خطير جداً".

ونشر موقع "شيعة أونلاين" إحصائية تفيد أنه خلال الـ20 عاماً القادمة سيصبح الشيعة في إيران أقلية ويصبح السنة أغلبية.

وحذر المرجع الشيعي البارز آية الله مكارم شيرازي من ارتفاع عدد السنة فقال: "إن السنة يشترون الأراضي في أطراف مدينة مشهد (مركز محافظة خراسان) حتى يزداد عددهم" مضيفا "إن من ينفق ريالاً واحداً لترويج التشيع إنه يساعد على استقرار وأمن إيران".

ومن الهواجس الأخرى للنظام هو تزايد عدد المتحولين من التشيع إلى التسنن وتنتشر هذه الظاهرة بسرعة في إقليم الأهواز العربي وصارت تمتد إلى كافة أنحاء إيران. وأصبحت هذه القضية تشكل مصدر قلق للنظام الذي يحاول بكل السبل وكافة الوسائل الحد من انتشارها.

خطة المرشد الإيراني لزيادة عدد الشيعة

ودفعت هذه المخاوف المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، للإعلان عن خطة ترنو لزيادة عدد الشيعة، حيث باشرت بها الحكومة على الفور منذ عام ونصف تقريبا وخاصة في المحافظات السنية المطلة على الخليج العربي وبحر عُمان والجزر الإماراتية الثلاث التي تحتلها إيران وهي طنب الصغرى وطنب الكبرى وأبوموسى.

ووفق خطة خامنئي فإن زيادة السكان في هذه المحافظات سيتم عبر الهجرة والاستثمار وإيجاد فرص العمل وزيادة نسبة الولادات لدى المهاجرين (الشيعة).

وبعد الإعلان عن تنفيذ الخطة، أعلن رئیس دائرة الأحوال الشخصیة في إيران محمد ناظمي أردکاني، أن عدد سكان إيران بلغ 80 ملیون نسمة خلال عام ونصف.

وتقضي خطة خامنئي التي صادق عليها البرلمان ضمن قانون "ازدياد معدلات الخصوبة والوقاية من انخفاض معدل النمو السكاني" في يوليو 2014 بإصدار تعليمات للحكومة لمضاعفة عدد سكان البلاد خلال السنوات القليلة المقبلة.

وكان خامنئي انتقد، في وقت سابق، منع الحمل، قائلاً إنه تقليد أعمى للغرب، مطالباً بمضاعفة عدد سكان إيران لتصل إلى 150 مليون نسمة على الأقل.

مراسم وطقوس معادية لرموز السنة

يقوم متطرفون من الشيعة باقامة احتفالات تثير استياء السنة في إيران، أبرزها ما تسمى بالفارسية "عُمر کُشون" أي "مقتل عمر" أو"عيد الزهراء"، في 9 ربيع الأول من كل عام، ابتهاجاً بذكرى مقتل الخليفة الثاني "عمر بن الخطاب" على يد أبو لؤلؤة ويعود الاحتفال بهذه المناسبة إلى قبل 500 عام تقريباً على يد الصفويين، الذين حكموا إيران لحوالي 4 قرون، حيث كانت الاحتفالات تتم بشكل علني وبإشراف الدولة. حيث تقام كل عام مراسم عند قبر أبي لؤلؤة بمدينة كاشان وسط إيران.

كما أن سبب الخلفاء الراشدين وبعض نساء الرسول مستمر من على المنابر خاصة في المناسبات الدينية كأيام عاشوراء والمناسبات التي تتعلق بإحياء ذكرى أئمة الشيعة.

وفي ذكرى وفاة السيدة فاطمة الزهراء الذي صادف رأس السنة الإيرانية "نوروز" في 21 مارس دعت جهات رسمية ومراجع ورجال دين إيرانيون إلى إقامة المآتم بدلا من الاحتفالات ودعا خطيب الجمعة في طهران، محمد علي موحدي كرماني إلى "تغليب الحزن والعزاء على مظاهر الفرح والبهجة خلال أعياد النوروز" وتتخلل هذه المراسم سب الخلفاء وخاصة عمر بن الخطاب.

التنظيمات السنية

وتنشط تنظيمات سنية عديدة في إيران، وتتواجد بشكل خاص في إقليمي بلوشستان وكردستان، بعضها مسلحة وأخرى سلمية تتبنى منهج الدعوة السلفية.

وأهم التنظيمات العسكرية السنية كانت حركة "جند الله" بقيادة عبد المالك ريغي في إقليم بلوشستان وهي حركة سلفية كانت تؤكد إنها تحارب النظام الإيراني "لرفع الظلم والاضطهاد عن الشعب البلوشي وأهل السنة في إيران" إلا إنها تلاشت بعد اعتقال زعيمها عبدالمالك ريغي وإعدامه في 20 يونيو 2010، عقب اعتقاله بعد إرغام طائرته المتوجهة إلى غرقيزستان للهبوط في الأراضي الإيرانية حسب الرواية الإيرانية التي تفندها المعارضة البلوشية جملة وتفصيلا.

وانبثق عن جند الله، جيش العدل بزعامة صلاح الدين فاروقي الذي قال في مقابلة سابقة مع "العربية.نت"، إن تنظيمه "يطالب بتأسيس نظام فيدرالي في إيران يحقق مطالب الشعب البلوشي وأهل السنة وكافة الشعوب والأقليات العرقية والدينية في إيران" على حد تعبيره.

وأكد على أن منظمته "لا تخوض حربا شيعية-سنية، ولا تقاتل النظام الإيراني على أساس طائفي". ونفى زعيم جيش العدل وجود أي صلة بينه منظمته والتنظيمات المتطرفة مثل "القاعدة" و"داعش"، مشددا على أن "النظام الإيراني يقف وراء هذه الإشاعات من أجل تشويه صورة المنظمة لدى الرأي العام الإسلامي والدولي".

كما أن هناك حركة "أنصار الفرقان" التي تأسست عام 1996م على يد جليل قنبر زهي شه بخش، وتعد من أبرز الحركات المنضوية تحت لواء التيار السلفي.

وفي أبريل الماضي، أعلنت وزارة الاستخبارات الإيرانية اغتيال كل من هشام عزيزي، الملقب أبو حفص البلوشي، قائد تنظيم "أنصار الفرقان" وكذلك سعيد تركمن، والمعروف بـ"ملا معاذ"، المتحدث باسم "جيش العدل".

وبين الفينة والأخرى تعلن أجهزة الاستخبارات الإيرانية عن اعتقالها مجموعات سنية تتهمها بالـ "تكفيرية" وتحكم على أعضائها بالإعدام او السجن لسنوات طويلة، يتهم النشطاء السنة السلطات أن الأحكام الصادرة ضد هؤلاء تأتي من خلال محاكمات صورية مستندة إلى اعترافات منزوعة تحت التعذيب.

إعدام نشطاء السنة

ومازال العشرات من نشطاء ورجال الدين من أهل السنة يقبعون في السجون بسبب الدعوة لعقيدتهم والعديد منهم مهدد بتنفيذ حكم الإعدام في أي لحظة.

وكانت السلطات نفذت الإعدام ضد 6 نشطاء سنة من الأكراد الايرانيين، في مارس الماضي، في سجن رجايي شهر، بمدينة كرج، بالقرب العاصمة طهران، برغم مناشدات دولية لإلغاء الأحكام حيث كانت محكمة الثورة حكمت بالإعدام على حامد أحمدي وكمال ملائي وجمشید دهقاني وجهانغیر دهقاني وصديق محمدي وهادي حسيني في عام 2012 بتهمة "محاربة الله" و"الإفساد في الأرض" في حين أكدت مصادر حقوقية أن هؤلاء كانوا يمارسون أنشطة مذهبية سلمية من قبيل تنظيم صفوف للدروس الدينية في المساجد السنية في كردستان إيران، إلا أن السلطات نسبت إليهم اغتيال رجل دين سني موال للنظام الإيراني في محافظة كردستان، الأمر الذي نفاه المعدومون، حسب منظمة العفو الدولية.

كما أن حكم الإعدام يهدد بشكل وشيك الداعية الكردي السني، شهرام أحمدي، المعتقل منذ 6 أعوام بتهم "الانتماء إلى منظمة سلفية"، و"الترويج ضد النظام عن طريق المشاركة في صفوف عقائدية وسياسية وبيع بعض الكتب والأقراص المدمجة"، مع شقيقه الذي أعدم عام 2012 وكان بعمر 18 عاما.

وذكر حقوقيون إيرانيون أن أحمدي تعرض خلال اعتقاله لتعذيب جسدي ونفسي، واعتقلت الاستخبارات شقيقه الأصغر الذي كان دون السن القانونية وأعدم برفقة 5 سجناء عام 2011.