بلوشستان..حكاية اضطهاد

بلوشستان..حكاية اضطهاد

إن خارطة الحقوق والمطالب التي تستفز وعي السُّنّة في إيران، هي مخرجات منطقية لما تعانية تلك الأقاليم من اضطهاد، لم يتوقف على أيدي الحكومات الإيرانية المتعاقبة، منذ عصر الشاه إلى عصر الحاضر.

المقال ملخص مِن بحث محمد العواودة 'حركة جند الله في إيران'، المنشور ضمن كتاب المسبار السادس والأربعين (أكتوبر 2010) 'أهل السنة في إيران' الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.

ميدل ايست أونلاين

ترتبط معاناة إقليم بلوشستان ارتباطاً مشيمياً بالمطلبيات الحقوقية لأهل السُّنّة بعامة، ضمن المجال الجغرافي الذي يتوزّعون فيه في كردستان مروراً بالأحواز وبلوشستان، وصولاً لإقليمي تركمان وأذربيجان، وإن كان أكثرها نشاطاً إقليما كردستان وبلوشستان تجاه تلك الحقوق والمطالب.

الجدير بالذكر، أنه "ليس بين أهل السُّنّة في إيران تكاتف معنوي، يجمعهم ويحدّد مشاكلهم ويوحّد مطالبهم، وذلك عائد لأسباب عديدة منها: أن السُّنّة موزّعون جغرافياً على أربع جهات إيرانية، تبتعد كل جهة عن الأخرى آلاف الكيلومترات، ما يجعل الاتصال في ما بينها صعباً، وهناك سبب آخر، يتمثّل في تنوّع الأهداف واللغات في كل مجموعة من مجموعات السُّنّة، فكردستان تطالب بالاستقلال الذاتي منذ خمسين سنة، بينما أهل السُّنّة في الجنوب لا يدعون إلى الاستقلال أبداً، وبلوشستان لها لغة خاصة أقرب إلى الأوردية، والتركمان لهم لغة خاصة أقرب إلى التركية، والسُّنّة في الجنوب يتكلّمون لغة فارسية خاصة، وهذه نقاط ضعف حاول تنظيم جند الله تداركها لاحقاً في استراتيجته السياسية والعسكرية المعلنة لتحقيق مطالب أهل السُّنّة.

وبالجملة، فإن خارطة الحقوق والمطالب التي تستفز وعي السُّنّة في إيران، هي مخرجات منطقية لما تعانية تلك الأقاليم من اضطهاد، لم يتوقف على أيدي الحكومات الإيرانية المتعاقبة، منذ عصر الشاه إلى عصر الحاضر، فبينما شهد العصر الأول تضييقاً واضطهاداً من منظور علماني وانحياز قومي فارسي، وميول عقيدية بهائية وتساهل ملحوظ مع العقيدة الشيعية والأيدولوجية الشيوعية، كان التضييق ملموساً على السُّنّة، حيث يمكن القول إنه لم يكن لأهل السُّنّة أية حقوق اجتماعية ودستورية في عهد الشاه، بما في ذلك الحرية الدينية.بينما اتخذت صوَر الاضطهاد منزعاً دستورياً بحتاً في عهد الثورة الإسلامية، التي كرست لمبدأين تراثيين أساسيين تمتدّ جذورهما إلى الحقبة الصفوية وهما: العقيدة الشيعية الاثني عشرية، والقومية الفارسية، وهو ما يتصادم مع الموروث السُّنّي، ويشكّل أساساً تاريخياً مفصلياً في ذينك الوعيين الشيعي والسنّي لتبدأ لغة القمع تتفوّق على لغة الحوار مع أهل السُّنّة.

ويرسم الدكتور سعد النامي، المتخصّص في الشأن الإيراني، إحدى صوَر هذا الاضطهاد الذي طال "الحرمان من الحقوق المدنية والسياسية والمذهبية إلى جانب محاربة الاقتصاد والتعليم والنمو السكاني، ومحاولة طمس معالمهم في مناطقهم حتى ولو كانت على شكل مساجد ومدارس تاريخية، بل حتى التاريخ نفسه لم ينج من هذا الطمس من حيث تزويره والتلفيق فيه وعزل أهل السُّنّة عنه، هذا عدا سياسة التصفية الجسدية لقادة السُّنّة وعلمائها، وهذا ما أيّدته جمعيات حقوق الإنسان من تعرّض أهل السُّنّة في الأحواز وبلوشستان إلى عمليات الإعدام المنهجي والمنظم".

وقاموا أيضاً بإنشاء مستوطنات في مناطق السُّنّة، وبناء بيوت حكومية في المدن السُّنّية، وتوزيعها على الشيعة القاطنين في أماكن بعيدة من بلاد السُّنّة، وجلب الأيدي العاملة الشيعية إلى مناطق السُّنّة؛ وذلك لتكثيف عدد السكان الشيعة.وقد قام النظام بتغيير اسم بلوشستان إلى سيستان، ليأخذ ملمحاً شيعياً، وقد "كانت مدينة زاهدان، عاصمة بلوشستان ـ إيران ـ قبل فترة غير بعيدة من الزمن لا يسكنها شيعي واحد، فكلهم سنّة من قبائل شاهوزتي، وشاه بيك، وسرحدي، وبعض العوائل السُّنّية التي قدمت من "مشهد وتربت".

وهذا التغيير يتم بصورة منهجية في السياسة الإيرانية أيضاً، بالإضافة إلى أساليب أخرى للتأثير على ولاء أهل السُّنّة، وكسبهم في الانتخابات لتمثيلهم في البرلمان.

ويرى صباح الموسوي، الكاتب الأحوازي المعروف، "أن الشعب البلوشي كان كغيره من الشعوب والقوميات الأخرى الواقعة تحت حكم نظام الملالي من أشد الشعوب تعرضاً للظلم وانتهاك الحقوق الإنسانية والقومية والدينية، على الرغم من مناصرته للثورة ضد الشاه البهلوي، وتأييده لقيام نظام الجمهورية الإسلامية" حيث كان سعي النظام الإيراني وما زال هو تحويل إقليم بلوشستان من أكثرية بلوشية سُنّية إلى أقلية شيعية فارسية، بعد تهجير أهله إلى خارج مناطقهم ليصبحوا أقلية مشرّدة تذوب مع السُّنّة في المجتمعات التي هُجّروا إليها.

إلى جانب ذلك، فإن أهل السُّنّة في إيران عموماً يعانون من التهميش السياسي، ويعتبَرون من الدرجة الثانية، إذ نص الدستور على أن رئيس الجمهورية يجب أن يكون من الشيعة الاثني عشرية، وقس على ذلك ما يخصّ الوزراء والمناصب الرفيعة في الدولة.

فحكومة نجاد الجديدة ـ على سبيل المثال ـ التي شكّلها من 23 وزيراً ليس منها وزير سُنّي واحد، ولا وزير بلوشي أو عربي أو كردي واحد.

أما في ما يخصّ الوضع الاقتصادي والاجتماعي لأهل السُّنّة في إيران ـ بعامة ـ "لا تحظى مناطق أهل السُّنّة بأي تنمية، وتعتبر من المناطق المتخلّفة في إيران، على رغم ما ترفعه إيران من شعار دعم المحرومين والمستضعفين"، وفي إقليم بلوشستان بخاصة "يعيش أهل السُّنّة حياة بدائية، ويعتمدون على الرعي والتجارة البسيطة، والجهل متفشٍّ؛ لأن المنطقة مهملة منذ أيام الشاه، وأوضاع الشباب مزرية تنتشر بينهم المخدّرات، حيث تسهّل الحكومة الإيرنية انتشارها".

ومع اتّباع سياسة القمع والتضييق على إقليم بلوشستان، من قبل حرس الثورة الإيراني، فتعتبر أحداث مدينة زاهدان – في بلوشستان- العام 1992 من أبرز الأحداث التي تُبرز ما يواجهه أهل السُّنّة في إيران، في ما يخصّ تعرّض مساجدهم للهدم والتدمير، حيث ظهرت هذه الأحداث نتيجة لهدم مسجد "الشيخ فيض" التابع لأهل السُّنّة في مدينة مشهد، وكان السجن والإعدام أبرز الأساليب التي استخدمها النظام الإيراني بحق هذه الشرائح الاجتماعية من أبناء الشعب البلوشي، وفي كل مرة كان علماء الدين والقوى المدافعة عن حقوق الشعب البلوشي توجّه النداءات وتطالب القيادة الإيرانية بالتدخّل لوقف هذه الانتهاكات والجرائم، التي تمارسها قوات الحرس الثوري الإيراني في بلوشستان وسائر المناطق الأخرى، إلا أن النظام لم يصغِ لهذه النداءات، ولم يعرها اهتماماً، بل راح يزيد من تعنّته، وأقدم على تعيين نائب القوات البرية للحرس الثوري العقيد نور علي شوشتري ـ الذي قتل في ما بعد على يد تنظيم جند الله ـ هو والعشرات من قادة الحرس في بلوشستان.

  • قراءة 390 مرات
الدخول للتعليق